حال النازحين بريف تعز (المسراخ).. بين الجوع والمطر (صور)

  • تعز، الساحل الغربي، ضيف الله الصوفي:
  • 10:22 2022/08/11

"نحن نازحون، نسكن هذه الخيام.. يأتي المطر يخرب مساكننا، ولا نجد مهربًا سوى البقاء تحت الأمطار.. مُجبَرِين".
 
لا يحدث أن يكره أحدٌ سقوط الأمطار، سوى من يعيشون في العراء، بحسب تعبير فواز سلام، ثلاثيني، ترك بلاده الأم قبل عامين، نتيجة الحرب التي دارت بمنطقة "حيفان" وتسببت بمغادرة الكثير من الأهالي، الذين اتخذوا من مديرية "المسراخ" مستوطنًا مؤقتًا لهم.
 
 
صباح الثلاثاء الماضي، قرر موفد "الساحل الغربي" زيارة ريف مدينة تعز، بهدف السياحة، وتلبية لشغف الانتماء للأرض، للتربة، للزراعة، للطبيعة، وجمالها الساحر الذي يأسر الناظر بمجرد نزوله وادي الضباب الذي يجمع بين الخضرة والماء، ذلك الوادي الذي تحسبه للوهلة الأولى بيئة نافعة للعيش والسكن.. أمام سحر الطبيعة وروعة المكان، تجد نفسك تسير بتتابع راكضًا إلى المزيد والمزيد من الجمال.
 
لكن عند السابعة صباحًا، تفاجأنا بخيام متهالكة.. على الطريق، أطفال صغار بملابس ممزقة، يفترشون الأرض دون فراش أو لحاف.. استوقفنا بكاء وأنين الصغار، الذي يوحي لك أن ثمة قصصَ وجعٍ تختفي خلف هذه المشاهد.. سمعنا منى محمد، أم لطفلين، تُحدثنا: "شوفوا كيف حالنا.. مشردين، الخيام ممتلئة بالماء، ونحن جالسين خارج، ولا قدرنا نفعل حاجة". سأل المحرر: "ما الذي حدث؟". ردت: "المطر.. من أمس لا تركنا نعمل أكل لجهالنا، ولا ننام.. كذا بقينا خارج الخيام جياع طول اليوم".
 
 
أثار الأمر فضول الموفد، وتحولت الزيارة التي قام بها إلى الريف، بهدف السياحة، إلى مهمة صحفية، فقرر تتبع خيوطها.. ولمن لا يعرف فالمخيمات التي صادفناها تسمى مخيم "الوجد" بمديرية المسراخ.. بالقرب من المخيم، التقينا بمدير الوحدة التنفيذية للنازحين في هذه المديرية، حارث القدسي.. أخبره الصحفي بمهمته، فقرر الرجل مرافقته إلى المكان، وتقديم صورة مختزلة للحياة المأساوية التي يعيشها النازحون، في بؤس التشرد، ومخيمات النزوح.
 
عند إحدى زوايا المخيم، كان ينام الطفل جمال، حديث الولادة، جاء إلى الحياة منذ عشرين يومًا بحسب والدته، التي تركته تحت أشعة الشمس، بينما تذهب لترتيب خيمتها، وتنظيفها من مخلفات السيول.. تقول الأم: "الجوع والفقر يقتلنا كل يوم، والأمطار جاءت تجرفنا وتنتهي حياتنا.. تصور لا طحين، لا مواد غذائية، لا غاز، لا ضوء، ولا بطانيات، حتى قوت يومنا ما نلاقيه.. نروح للقرى المجاورة، نبحث عن قليل طحين.. أحيانا نلاقي من الأهالي، ونصلح اكل لجهالنا، لكن أيام نرقد جياع".
 
 
تضيف: "نعاني، ولا أحد يحس بمعاناتنا.. مرضنا، من المطر، الأطفال عندهم سعال، والكبار ربو.. فوق هذا المنظمات لم تأت عندنا، استلمنا المخيمات السفرية فقط"..
مشهد مؤلم آخر، رصدته عدسة "الساحل الغربي" في المخيم، أغلب الأطفال هنا كانوا حفاة.. حال يعكس جزءًا من مأساة النازحين في هذه المخيمات، وفي تعز واليمن بشكل عام.. أما الصغيرات فيعملن في غسيل الملابس.. هؤلاء الصغار يقومون بمهام أكبر كثيرًا من أعمارهم وقدراتهم.. يعيشون تحت وطأة تثاقل الزمن، ورتابة الحياة.
 
 
كان الطفل إياد حمود، يلهو بالجري، متصورًا أنه يقود سيارة، في إحدى يديه ما يشبه مقود سيارة، يحركه يميناً وشمالاً، ويحرك جسده تبعاً لذلك، ويصدر صوتًا من فمه محاكيًا صوت محرك السيارة، أو صوت جهاز التنبيه "الهون".. على هذا النحو يقضي أطفال المخيمات حياتهم اليومية، وهذه هي وسائل الترفيه الممكنة.
 
يتمنى إياد أن يمتلك سيارة حقيقية، بدلاً من اللعبة الوهمية التي في يده، إذ يقول وملامح الحزن الطفولية بادية عليه، إن المنطقة هذه باتت كئيبة، والعيش فيها صار مملًا.. "ما نلعب كثير، نجري بالشارع بس.. أما في موسم المطر فلا نجد مكاناً لنلعب".. لربما وصل الأمر عند هذا الصغير إلى تفضيله قضاء وقت ممتع باللعب في أجواء صافية، وسماء جافة، على أن تمطر.
 
 
يقول النازحون، إن الخيام التي يسكنون فيها، لا تقيهم برد الشتاء، ولا حرارة الصيف.. ففي الصيف تتضاعف مأساتهم، إذ تتسرب مياه الأمطار إلى الخيام، أو تأخذها الرياح، إن لم تجرفها السيول.. يتحدثون لك عن قسوة الحياة، وأوضاعهم الصعبة، واحتياجاتهم التي لا يستطيعون الحصول عليها، رغم بساطتها.. إنهم يقضون حياتهم، محرومين من الاحتياجات الإنسانية الضرورية، على رأسها الغذاء، والمياه النظيفة.. الوضع البائس هنا، يفسر سبب افتراش كثير من النازحين أرض المخيم، دون مأوى أو فرش أو غطاء.. لذا يبدو أن هؤلاء مهددون بمجاعة حقيقية، ستكون عواقبها كارثية، في حال استمر وضعهم على ما هو عليه، دون مساعدات، ومعاناتهم تتفاقم.
 
 
يؤكد حارث القدسي، مدير الوحدة التنفيذية للنازحين بالمديرية: "كلما جاء موسم الأمطار، تتعرض مخيمات البسطاء للانجراف.. تسكن المياه بدلاً عنهم، لا يدرون أين ينامون.. عشرات الأسر النازحة بحاجة ضرورية إلى إيواء، بكل ما له من علاقة بالمساكن الطارئة، كالمخيمات الخشبية، وفرش، وبطانيات..". ويشير في حديثه إلى أن احتياجاتهم تتمثل بدرجة رئيسة في المساعدات الغذائية، والرعاية في الجانب الصحي، وتوفير الأدوية المجانية عبر مستشفيات ووحدات صحية قريبة منهم، بحيث تؤدي الدعم المطلوب والسريع.

 

ذات صلة