أحمد حوذان يروي تفاصيل تجربته المريرة في معتقلات المليشيات: من سجن الحوثي إلى اليوم
- كتب/ أحمد حوذان:
- منذ ساعة
في مثل هذا اليوم، التاسع والعشرين من سبتمبر، استرددتُ جسدي من عتمة المعتقل، لكن قلبي ظلّ هناك، معلّقًا على باب حلمٍ خنقته الخيانة، وفي أسر ذكرى أخٍ رحل دون أن أضمه إلى صدري.
في السادس من أكتوبر عام 2018، أخذني الحوثيون أثناء محاولتي تغطية احتجاج دعا إليه ناشطون تحت مسمى «ثورة الجياع». تم اعتقالي من ميدان التحرير بعد صفع وركل وضرب بأعقاب البنادق، ثم اقتادوني إلى قسم العلفي، ومنه إلى البحث الجنائي، ثم إلى قسم المشايخ، حيث بقيت ثلاثة أيام، وصولًا إلى الأمن السياسي. هناك، حيث يُنسى الزمن وتُسلب الكرامة، قضيت أيامي حتى جاء يوم الإفراج عني في عملية تبادل أسرى؛ معتقل صحفي مدني أعزل لا يملك إلا كلمته، مقابل مقاتل حوثي أُسر في إحدى المعارك. كان ذلك يوم التاسع والعشرين من سبتمبر.
في مثل هذا اليوم، وفي هذا الشهر العظيم المبارك، كنت حرًا طليقًا. لكنها كانت فرحة غير مكتملة. كان أخي قد وقف بكل ما يملك من أجل تلك اللحظة، فقط ليشم ريحتي وأشم ريحته. كان ينتظرني، ويعد الأيام، ويحلم بأن أعود، وأن تكتمل فرحته، وأن يزفّني عائدًا إلى الحياة وهو إلى جواري. لكن كل الأمنيات ضاعت. لم يبقَ لنا إلا صوته. سمع صوتي، وسمعت صوته. فقط. أما هو، فقد انتقل إلى حياة أخرى.
وهنا ضاعت كل تلك الأماني والأحلام التي كانت في خيالي. أمام المحقق الحوثي العقائدي «كونان»، وأمام الصفع واللطم، كانت هناك حياة أخرى أعيشها داخل رأسي. كانت تلك الصفعات تثبتني كثيرًا وتجعلني قويًا.
كنتُ أهرب بخيالاتي بعيدًا كلما استدعوني إلى التحقيق، أهرب من صراخهم وصفعاتهم وركلاتهم إلى عالمٍ آخر لا تصل إليه أيديهم، عالمٍ كنت أعيش فيه كما أريد، وأرى فيه اليمن التي أحلم بها. كانت صفعات المحقق الحوثي العقائدي «كونان» تصل إلى وجهي، لكن خيالاتي كانت تأخذني بعيدًا، فلا أسمع من الملاطيم إلا طنينًا خافتًا، وكأنني في عالم آخر لا يمتّ إلى تلك الزنزانة بصلة.
خيالاتي لا تسمع إلا طنين الملاطيم، بينما كنت أنا في عالم آخر، بعيدًا عن تلك القدسية التي يعبدها المحققون. كان خيالي علي عبدالمغني، والزبيري، والقردعي، والنعمان، وجزيلان، واللقية، والأشول، وصبرة، والثلايا. كنت أرى نفسي معهم. أرى نفسي أقود الأحرار، وأضرب بيد من حديد، وأحارب الفساد، وأقف أمام المتخاذل، والناس من حولي كثيرون، وكل واحد منهم يؤدي دوره بإتقان وإيمان وعدل ومساواة.
كان ذلك الوطن يعيش في رأسي وأنا داخل زنزانة. وكان أولئك الرجال يسيرون معي وأنا مكبل. وكانت الثورة تتحرك في مخيلتي بينما كان المحقق يواصل التحقيق والصفع واللطم. وما تزال تلك الخيالات تجري في داخلي. حتى إنني لم أكن أخشى الصفعات، بل كنت أخشى أن يكتمل بي الحلم والخيال، وأن يوقظني أحدهم من ذلك العالم الذي بنيته داخل الزنزانة.
لأن في مخيلتي كان أخي يقود معركة ضارية في الجوف إلى سفيان، وهو يدعس كل من يقف أمامه بعربته العسكرية الإمبراطورية، وأرى أهل بيتي وهم يؤدون واجبهم في تقديم الغذاء للأبطال من الجيش، وكل واحد منهم يعرف دوره ويؤديه بإيمان. كنت أعيش تلك المشاهد وكأنها حقيقة، حتى أسمع أخيرًا صوت المحقق.
كان يصيح: «يا مستلم! تعال شلّ هذا، مش راضي يعترف بشيء، نزّله يرتاح، وبكرة يجي وهو مصحصح بيكلمنا بكل شيء، إذا هو يريد يتخارج ويروح عند عياله».
ثم يعود كل شيء إلى الصمت. لكنني كنت أعود إلى خيالي. إلى الأحرار. إلى الثورة. إلى أخي. إلى الوطن الذي كنت أراه في داخلي. حتى خرجت.
واليوم، لا الخيال بقي كما كان، ولا الأحلام استُعيدت كما تخيلناها، ولا المختطفون الذين يقبعون خلف زنازين الحوثي يجدون من يذكرهم ليشموا ريحة الحرية المكبوتة.
إن ما عانيته في السجن يحتاج كتبًا من الآهات والقهر لتسجيله، ويحتاج عمرًا كاملًا حتى يمكن أن تحكي كل ما مرّ على الإنسان في تلك الزنازين. لكن الفاجعة الأكبر لم تكن ما وجدته داخل السجن، بل ما وجدته خارجه.
خرجتُ من سجن المليشيا لأجد نفسي بين شخصيات تجيد فن التلاعب بالألفاظ، وتسرق وتنهب وتظلم وتفسد، وتقطع اليمن إلى أجزاء وأوصال. شخصيات لها جيوش إعلامية، ولوبيات، ومحسوبيات، ولا تؤمن بثقافة الآخرين، ولا بالكفاءات، ولا بالتضحيات. تحب ذاتها، وتعشق أقاربها وفصيلها والمقربين منها في الحزب.
تحيط بهم هالة من المادحين والمعظّمين والمترفين، والمتملقين والمزمرين والمصفقين، والمتسلقين والانتهازيين، وأصحاب الحظوة والمصالح؛ أولئك الذين يرفعون المسؤول إلى السماء ما دام يفتح لهم أبواب النفوذ، ويصفقون له ما دام يهبهم شيئًا من فتات السلطة، ثم يتساقطون عنه كما تتساقط أوراق الشجر حين تهب أول ريح.
تدرك حينها أنه لا أحد هنا يستشعر وجعك وعذابك إلا أمك، وزوجتك، وإخوتك؛ أما هؤلاء الذين ظننتهم سندك، فقد غرقوا في وحل الفساد والظلم وصناعة اللوبيات والمماحكات، بينما يتربص كلٌّ منهم بالآخر ويتفرج على سقوطه، حتى يأتي الحوثي ويسقطهم جميعًا كما أسقطهم من قبل، إذا لم يتداركوا ويؤمنوا بالوطن فوق كل الاعتبارات!
وبين هؤلاء، يُقال لك: «أغرق في أوهامك. خلِّ شهادتك تنفعك. خلِّ تضحياتك تنفعك. خلِّ كل ما قدمته ينفعك. كل ذلك غير محسوب. المهم فقط: أنت تبع فلان. أنت مع فلان. وأنت ضد فلان».
وأصبحنا لا نستطيع حتى أن نذكر من ما زالوا في سجون مليشيا الحوثي، ومن هم في الدولة ويحكمون البلد، وليس لهم أي صلة بمعركة ولا قتال، ولا أي مسؤول ربما قدّم شهيدًا، أو استنفر للتعبئة، أو جهّز مجاهدًا. كلهم لا يريدون صنعاء، حتى يسقطهم الحوثي كما أسقطهم سابقًا؛ ولا نتمناها لأن معنا الله وأبطالًا مخلصين، ومملكة الحزم فيها قادة السياسة وأربابها دهاة العرب. وبعض المسؤولين يرفض أن يدلي بتصريح ضد الحوثي. وبعضهم هاشميون في المفاصل.
وها أنا في حياة أخرى، ما زلت في مراحل النضال الوطني، وما زلت أؤمن بأن هذا الوطن يستحق أن يتحرر من أقذر مشروع عرفته اليمن، وأن يعيش الإنسان فيه حرًا كريمًا، لا أن يُنظر إليه باعتباره عبدًا لمشروع أو جماعة أو سلالة أو حزب. لقد كانت الرحلة طويلة، وما زلنا نخضع لإرهاصات طويلة بسبب أخطاء كارثية، وبسبب وجود ناس وأشخاص يرون في الحرب مكسبًا ومغنمًا، ويرون في دماء الناس طريقًا إلى النفوذ والمناصب.
وهنا يصبح وجع الإنسان مضاعفًا. لأنك حين خرجت من السجن، كنت تظن أن الوطن الذي حلمت به ينتظرك. كنت تظن أن التضحيات ستجد مكانها، وأن من وقف في وجه الحوثي سيجد من يقدّر وقفته، وأن من فقد أخاه وأباه ورفيقه سيجد وطنًا يحفظ دماءهم. لكنك تكتشف أن المعركة لم تنتهِ، وأن السجن لم يكن وحده خلف القضبان، وأن هناك وطنًا كاملًا يعيش في الأسر.
يا ربيع جيلان، ويا إبراهيم ساجد، ويا كل الأحرار القابعين في الأمن السياسي وسجون الحوثي، من مؤتمري وإصلاحي وناصري واشتراكي، حيث الصحفيون والدكتور والطبيب والمعلم والمهندس والنجار والضابط وأصحاب الحرف واليوتيوبر... أتذكر تلك الغرفة الجماعية التي جمعتنا؟ كيف كان ينعطف بعضنا على بعض، ونستمع لبعضنا، ونحكي قصصنا، ثم نتعانق ونبكي، ونلعن السياسة التي فرقتنا، ونستعيد العهد بأن نغيّر كل شيء، وأن عدونا واحد لا ثاني له، وهو الحوثي.
أقول لكم اليوم، ولجميع من سُجن معنا ولكل من يقرأ كلماتي: لقد كنا في تلك الغرفة أكثر قوة وصلابة. كانت معنوياتنا تناطح السحاب. وما كنا نرى الحوثيين أمامنا إلا كذرٍّ هباء.
لم تكن أحزابنا هي التي تجمعنا هناك. لم تكن المناصب هي التي تجمعنا. لم تكن المصالح هي التي تجمعنا. كان الألم يجمعنا. وكان السجن يجمعنا. وكان الوطن يجمعنا. وكان عدو واحد أمامنا.
وآهٍ، ليت هؤلاء السياسيين يعقلون اليوم، ويكفون عن المناكفات والسقوط. ليتهم يتذكرون أن الرجال الذين اختلفوا في الخارج، كانوا في الزنزانة الواحدة يتقاسمون الألم والخبز والدمعة والحلم؛ إنه الدكتور والمعلم والطبيب والمهندس والنجار والشيخ والضابط واللواء.
يا لوجع الروح عندما ترى الذين يحكمون باسم الدولة اليوم لا صلة لبعضهم بمعركة ولا قتال، وبعضهم يرفض حتى أن يدلي بتصريح ضد الحوثي، وبعضهم هاشميون في المفاصل، بينما دماء الشرفاء تُترك على قارعة الطريق، وتُباع التضحيات في سوق النخاسة السياسية.
يُقال لك بدم بارد: «أغرق في أوهامك. دع شهادتك تنفعك. دع تضحياتك تنفعك. دع ما قدمته ينفعك. فكل ذلك لا يساوي شيئًا إن لم تكن تبع فلان أو علان».
وهنا تسأل نفسك: هل خرجتُ من السجن فعلًا؟ أم أنني خرجت من زنزانة صغيرة إلى زنزانة أكبر اسمها الوطن؟
في السجن كنت أعرف عدوي. كنت أعرف من يقف أمامي. كنت أعرف صوت المحقق، وأعرف الجدار، وأعرف الباب، وأعرف القيد. أما هنا، فالوجع أكبر. هنا تختلط الوجوه، وتتداخل المصالح، وتكثر الأقنعة، وتضيع التضحيات بين المناكفات، وتصبح دماء الشهداء مجرد أرقام في أحاديث السياسيين.
ومع ذلك، أحمد الله. الحمد لله على سلامتي. فهذه أكبر نعمة أنعم الله بها عليّ. الحمد لله الذي كتب لي أن أخرج حيًا، وأعادني إلى أهلي، وأبقاني شاهدًا على ما حدث.
ورحمة الله وتغمده برضوانه تتنزل على أرواح أحبابي وسندي في الحياة؛ أخي الشهيد محمود حوذان، وعمي عبده حوذان، وعلي حوذان، وجبر الدوة، وأخي عبدالله طرموم، وأخي محمد علان الربعي، وعبدالله علان، وأخي محمد حسن الشومي، وأخي سليمان مخيط.
هؤلاء الأبطال الذين كنتُ على تواصل بهم في صنعاء، وهم في الجبهات يناضلون. كنت أسمع أصواتهم، وأعرف أخبارهم، وكنت أشد أزري باتصالاتهم من قلب الجبهات.
كنت أعتقد أنني سأخرج من السجن، وأننا سنلتقي جميعًا، وأننا سنجلس ذات يوم ونضحك على كل تلك الأيام السوداء. لكنهم رحلوا. رحلوا قبل أن نكحل أعيننا برؤية اليمن الذي حلمنا به جميعًا.
رحلوا، وبقيت أنا أحمل أصواتهم في ذاكرتي. أحمل أسماءهم. أحمل أحلامهم. وأحمل السؤال الذي لا يفارقني: ماذا فعلنا بالوطن الذي ماتوا من أجله؟
في مثل هذا اليوم خرجت من سجن الحوثيين. خرجت بجسدي. لكن شيئًا مني بقي هناك. وبقي شيء آخر مع أخي الشهيد. وبقي شيء ثالث في تلك الغرفة الجماعية التي جمعتنا نحن المختلفين في السياسة، المتفقين في الألم، حين كنا نلعن الانقسام ونحلم بوطن واحد.
خرجتُ من سجن المليشيا لأجد الوطن كله مسجونًا في وجعه. خرجتُ من الزنزانة، لكنني لم أجد الحرية التي حلمت بها. وجدتُ وطنًا مثقلًا بالوجع، وأحلامًا تتساقط، وتضحيات تبحث عن الإنصاف، وشهداء لا يستطيعون أن يسألوا: أين ذهب كل ما ضحينا من أجله؟
ومع ذلك، سأبقى أحلم. لأنهم استطاعوا أن يسجنوا الجسد، لكنهم لم يستطيعوا أن يسجنوا الحلم. وسأظل أذكر الذين ما زالوا خلف القضبان، وأذكر الذين رحلوا إلى السماء، وأذكر كل من وقف يومًا في طريق الحوثي، وكل أم تنتظر ابنها، وكل زوجة تنتظر زوجها، وكل طفل ينتظر أباه.
رحم الله الشهداء. وفرّج الله عن كل معتقل ومختطف. وحفظ الله اليمن وأهله.
خرجتُ من عتمة السجن، لأجد الوطن كله مسجونًا في وجعه.
ورحم الله الشهداء، ولا نامت أعين الجبناء.