دولة الإمارات والصنيع الذي لا ينسى

12:00 2020/03/05

لدولة الإمارات العربية المتحدة أياد بيض في اليمن، كما في بلدان عربية أخرى أيضا.. ذلك أن مساعداتها غير مشروطة، أو لا يرمي النظام الإماراتي من ورائها ممارسة أي ضغوط سياسية على متخذي القرار، أو إحداث تأثير سلبي في الشأن الداخلي اليمني، على الرغم من أن العلاقات بين الدول هي علاقة مصالح.. وقد كانت دولة الإمارات من الدول التي نالت استقلالها في وقت متأخر، كما أن نهوضها الاقتصادي جاء متأخرا قياسا بدولتي الكويت والمملكة العربية السعودية مثلا.. ولكن ما أن تحقق لها ذلك حتى بدأت تمد يد العون والمساعدة للدول الأقل نموا ومن بينها اليمن.. وتميزت هذه المساعدات في أن موضوعها كان التنمية لمنفعة عموم الشعب اليمني وليس لفئة محددة.. ولنتأمل في واحد من أقدم وأهم المشاريع الاستراتيجية التي نفذتها الإمارات في اليمن، وهو سد مارب الجديد الذي مولت دولة الإمارات مراحله بتسعين مليون دولار في ثمانينيات القرن العشرين، وحرص الشيخ زايد بن سلطان رئيس الدولة على المجيئ إلى مأرب في يوليو 1984 ليشارك الرئيس علي عبد الله صالح في وضع حجر أساس هذا المشروع، كما حضر الشيخ زايد حفل افتتاح المشروع بعد اكتماله أواخر العام 1986.. والشاهد هنا هو أن هذا السد الذي يبلغ طول حائطه 762 مترا، وارتفاعه 29متراً, ويخزن نحو 390 مليون متر مكعب من المياه, بعث الحياة من جديد في مأرب وما حولها، لكونه أصبح مصدرا لمياه الري لعشرات المزارع التي نشأت بعد تشييد السد، فضلا عن تغذية مصادر المياه الجوفية، كما هو مبعث ذكريات اليمنيين عن تاريخهم الحضاري، حيث شيد السد الجديد في المكان نفسه لسد مأرب التاريخي الذي بني في القرن الثامن قبل ميلاد المسيح.. وما دون هذا المشروع الاستراتيجي هناك مئات المشاريع الصحية والتربوية المنتشرة في أنحاء اليمن، ناهيك عن قيام دولة الإمارات بدعم الموازنات لعامة للدولة في السنوات الماضية، وكانت في المرتبة الثانية بعد السعودية في تمويل مشاريع الخطة الخمسية الثانية والثالثة في اليمن الموحد.
 
ذلك شيء من الماضي.. فإذا جئنا إلى اليوم، رأينا دولة الإمارات العربية المتحدة النصير المباشر لليمن واليمنيين، أكان على مستوى الإسهام في الدعم العسكري ضمن عاصفة الحزم، ثم إعادة الأمل، أو على مستوى تقديم التمويل لبرامج الأمم المتحدة المتعلقة بالجوانب الإغاثية والإنسانية للمتضررين من الحرب، ودربت وجهزت نحو مائتين ألف جندي لمواجهة ميليشيا الجماعة الحوثية ومكافحة الإرهاب، واستثمرت خلال السنوات الخمس الماضية أكثر من 8 مليارات دولار في مجالات التنمية والخدمات والإغاثة وإعادة تأهيل منشئات التربية والصحة ومياه الشرب.. وفوق ذلك هناك مشاريع جمعية الهلال الأحمر الإماراتي في عموم المحافظات الجنوبية وفي الساحل الغربي وفي تعز، وهي مشاريع غوث عاجلة ومباشرة دون وسيط بين الجمعية والمستفيدين.. والأهم من ذلك كله بالنسبة لليمنيين والإماراتيين، هو أن دولة الإمارات العربية المتحدة شاركت بقوات أمنية وعسكرية ضمن التحالف العربي تزيد أعدادها عن 15 ألف فرد وضابط استشهد منهم أكثر 100 على أرض اليمن سواء في مأرب أو شبوة أو غيرهما.. ولو دققنا النظر لاكتشفنا أنها فعلت أكثر من غيرها في هذا الجانب، إلى جانب دورها الفعال في محاربة الإرهاب، وهو دور كلف الإمارات كثيرا، من أجل بناء مؤسسة أمنية وقوات متخصصة في مكافحة الإرهاب.وحري بنا الاشارة هنا إلى أن جماعة الاخوان المسلمين في اليمن ممثلة في حزب الإصلاح، لا تغفل هذه الأدوار فحسب، ولا تشوهها وتقلل من قيمتها فحسب، كما هو الحال في الحملة الأخيرة ضد الإمارات عقب قيامها بإجلاء الطلاب اليمنيين من مدينة ووهان الصينية بعد تفشي فيروس كورونا هناك، حيث قال الإصلاحيون- وخاصة الموالون لقطر- إن موت أولئك اليمنيين بفيروس كورونا كان أفضل مما تكون دولة الإمارات هي التي قامت بهذا الدور الإنساني! نقول لم يكتف الإصلاحيون بذلك، بل وضعوا على عاتقهم مهمة نشر العداء والكره للإمارات بين اليمنيين في السنوات الأخيرة، وهذا له دلالته.. ومن المناسب أن نشير إلى بعض أهم الدوافع أو الأسباب التي تقف وراء تلك المهمة القذرة:تأتي في مقدمة تلك الدوافع أن الإصلاحيين باتوا يدركون أن دولة الإمارات لم تهادن جماعة الاخوان المسلمين في الدولة نفسها، وجماعة الاخوان الأم في مصر، وجماعات الإخوان في سوريا وليبيا وغيرهما، ويرون تشدد الإمارات مع الجماعات الإرهابية مثل تنظيمي القاعدة وداعش وأنصار الشريعة، ومعروف أن هذه الجماعات هي بنت جماعة الإخوان وحليفتها في الوقت عينه. وهنا في اليمن تولت دولة الإمارات محاربة الإرهاب بطريقة مباشرة من خلال طائرات دون طيار، وبطريقة غير مباشرة من خلال بناء قوة يمنية لمكافحة الإرهاب، وتزويد الأميركيين بالمعلومات الاستخبارية التي تساعد على مكافحة الإرهاب، وكل هذا يثير غضب الاخوان المسلمين.. أما الدافع الرئيسي الثاني فيتمثل في قلق حزب الإصلاح من قيام الإمارات بدعم القوات المشتركة في الساحل الغربي، حيث يخشى من تنامي هذه القوات التي يرى أنها ستصبح منافسا للقوات الموالية له.. على أن الاصلاح يحاول أن يغطي عدائه وكرهه لدولة الإمارات بثوب الحرص على الوحدة اليمنية، حيث يزعم أن الإمارات التي كانت تدعم المجلس الانتقالي الجنوبي بقوة، أنما تشجع على تنامي الحركة الانفصالية، لكن تبرير كهذا لا يعد مقبولا، فمن ناحية أن دولة الإمارات العربية المتحدة دولة كونفيدرالية، أو اتحادية وعادة لا تتبنى أي دولة اتحادية مثل الامارات أو أميركا أو ألمانيا سياسات خارجية تشجع أو تدعم النزعات الانفصالية، ومن ناحية ثانية أن الامارات قد تركت الجنوب وسلمت ملفه للسعودية التي تعمل لإيجاد تسوية بين الحكومة الشرعية والمجلس الانتقالي الجنوبي، ولم يشر اتفاق الرياض أي إشارة إلى مسألة جنوبية أو قضية جنوبية.
 
*(المقالات التي تنشر تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع)