تجريم العنصرية… الطريق إلى إنهاء الحروب المتكررة

منذ ساعة

قبل أيام، قال رئيس الجمهورية الدكتور رشاد العليمي في لقائه مع وفد المعهد الأوروبي للسلام، إن ميليشيات الحوثي الإرهابية ليست مجرد طرف نزاع، بل جماعة عقائدية مغلقة، يقوم مشروعها على التمييز السلالي، والحق الإلهي في الحكم وإنكار المواطنة المتساوية، وأن علينا أن نتعامل معها كما تعاملت أوروبا مع النازية والفاشية بوصفهما خطرا وجوديا لا رأيا سياسيا وذلك من خلال تفكيك البنية العسكرية والعقائدية لها وتجريم الطائفية والعنصرية في الدستور والقانون.
هذا التشخيص المتقدم والشجاع نادرا ما نسمعه من القادة والمسؤولين اليمنيين للأسف. كثيرا منهم يتجنبون الإشارة إليه صراحة وبهذا الوضوح، ولا أدري لماذا يهربون من مواجهة الجذور الحقيقية للحرب؟!
هذا الطرح لا يكتف بوصف أعراض المشكلة اليمنية كما حدث خلال سنوات طويلة، بل يضع اليد على الجرح نفسه كما يفعل الأطباء المهرة. لأنه يعيد تعريف المشكلة اليمنية التي كانت وما زالت سببا في استهداف فكرة الدولة والمواطنة. بالمسألة ليست مجرد خلاف سياسي ولا صراع من أجل السلطة كما يعتقد البعض، بل معركة يدافع فيها الشعب اليمني عن حقه في مبدأ المساواة.
هذا التشخيص الدقيق لا يصف عصابة الحوثي بشكلها الحالي فقط، بل يحدد جذرها التاريخي الذي كان سببا في تكرار المأساة اليمنية منذ فترات طويلة.
عبر قرون.. اندلعت حروب كثيرة في اليمن كما هو الحال في عدد من دول العالم، وكانت هناك أسباب وشعارات وسياقات سياسية ومجتمعية مختلفة أنتجت هذه الحروب في كل حقبة زمنية، لكن هناك سببا واحدا تكرر منذ ما يقارب 12 قرنا حتى هذه اللحظة. هذا السبب هو ادعاء سلالة أن الله ميزها عن بقية اليمنيين وانتخبها لتكون الحاكمة الحصرية والمرجعية الدينية والقضائية والمالية وصاحبة الولاية العامة.. هم سادة اليمن وبقية اليمنيين مجرد أتباع.. واليمني لا يكون قويا ولا شجاعا ولا مسلما إلا عندما تحكمهم هذه السلالة..!
هذا النوع من العنصرية لم يكن مجرد فكرة شخصية معزولة ذات تأثير محدود كبعض أشكال العنصريات في العالم، بل كانت وما زالت تقدم لنا على أنها أصل من الدين ويجب علينا اتباعه والعمل به، وإلا فنحن كفرة ومنافقين وخونة وعملاء وجواسيس ودواعش.. كانت وما زالت فكرة عرقطائفية عصبوية أنتجت مسخا تسبب في موت وتهجير واقصاء ملايين اليمنيين. في هذه الحرب فقط نحن نتحدث عن أكثر من نصف مليون قتيل يمني وملايين الجرحى والمهجرين والجياع. وفي كل حقبة زمنية يخرج لنا سلالي شاهرا سيفه في وجوهنا قائلا إن الله قد انتخبه ليكون واليا علينا وأننا مخيرون بين طاعته هو وأبناء عمومته أو الموت ذبحا وجوعا، أو مغادرة البلاد.
من هنا.. يمكن التأكيد أن تجريم العنصرية السلالية أولا، وبقية أشكال العنصرية الأخرى -بما فيها احتقار المهن والعنصرية المناطقية- ثانيا، ليس ترفا فكريا ولا شعارا سياسيا، بل شرط أساسي لبناء دولة قابلة للحياة، وخطوة محورية لحماية الأجيال القادمة من تكرار هذه الحروب وإعادة إنتاج المعاناة نفسها التي يعيشها الشعب اليمني في هذه المرحلة.
نحتاج إلى قانون خاص لتجريم العنصرية وحماية المستقبل اليمني منها، كما نحتاج إلى تشكيل هيئة وطنية عليا لمكافحة العنصرية وخطاب الكراهية.
هذه المشكلة العميقة لا يمكن معالجتها بقسم صغير في وزارة حقوق الإنسان أو بإضافة مادة عامة في قانون العقوبات، لأن مواجهة العنصرية يعني معركة ضد موروث اجتماعي وسياسي سام وقديم وخطير، وخوض حرب وجودية ضد شبكة مصالح واسعة وخطاب سياسي يستغل الدين الإسلامي الحنيف الذي جاء ليساوي بين بلال الحبشي وسادة قريش.
مكافحة العنصرية يعني أننا سنواجه ثقافة قديمة تم انتاجها وتوارثها عبر أجيال طويلة ولهذا يجب أن تكون لدينا استراتيجية وطنية طويلة الأمد لمواجهة هذا العدو الفتاك والذي تسبب في تخلفنا وعزلنا عن بقية دول العالم.
مكافحة العنصرية يجب أن تكون هدفا استراتيجيا للدولة إلى جانب أهدافها الأخرى، لأننا لا نتحدث عن حوادث عنصرية فردية هنا وهناك.
من المهم الاستفادة من تجارب العالم في هذا المجال.. ثمة دول كثيرة أدركت أن العنصرية ليست مجرد "سلوك شخصي سيء"، بل بنية ثقافية ونزعة بشرية تحتاج إلى مؤسسات مستقلة ومتخصصة للقضاء عليها بما يضمن تحقيق المواطنة المتساوية والعدالة الاجتماعية.
على سبيل المثال لا الحصر، جنوب إفريقيا أنشأت مفوضية خاصة لتعزيز المساواة ومكافحة التمييز. وكذلك فرنسا وألمانيا وبريطانيا ثمة هيئات ومؤسسات مهمتها فقط مكافحة العنصرية.
نحن في اليمن أمام خيارين لا ثالث لهما.. إما أن نواصل التعامل مع العنصرية على أنها مجرد "اختلاف ثقافي" أو "رأي" أو "دين" يجب أن يُحترم، وهذا يعني أننا سندفع ثمن هذا الفهم الخاطئ حروبا جديدة مستقبلا. أو أن نعترف بأنها خطر وجودي على فكرة الدولة والمواطنة، وبناء على هذا الفهم نبني أدوات قانونية ومؤسسية فعالة لتفكيكها كما أشرت في كلامك أعلاه، وبالتالي حماية المستقبل اليمني.
فخامة الرئيس.. إن إنشاء الهيئة الوطنية العليا لمكافحة العنصرية وخطاب الكراهية ليس موجها ضد جماعة بعينها أو عرق أو منطقة، بل هي خطوة جادة لحماية المجتمع اليمني كله.. حتى الفئات التي مارست العنصرية ضد اليمنيين، ستعمل هذه الهيئة على حمايتها من خلال انتزاع الفيروس العنصري من داخلها.
مثل هذه الهيئة خطوة ضرورية للانتقال من دولة الصراعات والهويات الصغيرة إلى دولة المواطنة المتساوية وسيادة القانون.
وشهركم مبارك..