الحوثي: من التهديد والوعيد إلى الانبطاح والخنوع
منذ سنوات، اعتاد المعتوه عبدالملك الحوثي، أن يملأ الفضاء صخباً ووعيداً. خطابات نارية، قبضات مرفوعة، وتهديدات بإغراق الأساطيل وقلب موازين المنطقة. وقدّم نفسه لأتباعه باعتباره القوة العظمى في اليمن وجنوب غرب الجزيرة العربية، وادعى أن قراره مستقل وأنه الرقم الصعب الذي ترتجف له العواصم والدول.
غير أن السياسة، كما الحرب، لا تُقاس بارتفاع الصوت بل بصلابة الموقف ساعة الاختبار.
عندما تعرضت إيران لضربات موجعة، وانكشف ضعف المشروع الذي احتمى به الحوثي طويلاً، خفت صوته فجأة. اختفت البيانات النارية، وغابت التهديدات، وتلاشى استعراض الصواريخ من الشاشات. الرجل الذي توعد بإشعال البحار آثر الصمت، وكأن ما يجري لا يعنيه.
أين ذهبت لغة “المحور”؟
أين شعارات “الرد الحاسم”؟
أين الوعيد الذي ملأ المنابر؟
الحقيقة التي يصعب إخفاؤها أن الحوثي لم يكن صاحب مشروع وطني مستقل، بل امتداداً لمشروع أكبر منه. وحين اهتز المركز، انكمش التابع. فالجماعات التي تبني خطابها على فائض قوة مستوردة تتحول إلى صمت ثقيل حين ينقطع عنها الدعم.
في الداخل، اعتاد الحوثي أن يبطش ويقمع المجتمع ويُحكم قبضته على مناطق سيطرته شمال اليمن. هناك حيث يتضخم خطابه لأن الكلفة محدودة والخصم أعزل. أما خارج هذا الإطار، فتغدو الحسابات مختلفة، ويتراجع منسوب التحدي ويتبدد صخب “العنتريات” عندما يقترب الاختبار الحقيقي.
المفارقة أن عصابة الحوثي التي رفعت شعارات “الكرامة والسيادة” لم تُصدر الان حتى موقفاً يوازي حجم خطابها. وكأن السيادة تُمارس على الداخل فقط، أما الخارج فله حسابات أخرى. هكذا تكشف اللحظات الفاصلة الفجوة بين الشعار والواقع، وبين الدعاية والحقيقة.
سياسياً، تآكل الرعديد الحوثي وفقد جزء مهم من رصيده الدعائي. فأنصاره الذين شُحنوا لسنوات بخطاب “المواجهة الكبرى” وجدوا أنفسهم أمام صمت مربك. والجمهور الذي صُوّر له أن القرار يُصنع في صنعاء، أدرك أن مسار الأحداث تحدده مراكز أخرى.
اليوم، يقف الجبان الحوثي في منطقة رمادية: لا هو قادر على التصعيد الذي وعد به، ولا هو مستعد للاعتراف بحدود قوته. يحاول الموازنة بين خطاب متشدد لا يستطيع التخلي عنه وواقع لا يجرؤ على تحديه. وهذه لحظة حرجة لأي حركة أيديولوجية، حين ينكشف التناقض بين ما يُقال وما يُفعل.
ليست المشكلة في خطأ تقدير سياسي؛ فالسياسة بطبيعتها مليئة بالمفاجآت. لكن الإشكال يكمن في بناء صورة بطولية على وهم القوة، ثم اكتشاف هشاشتها عند أول اختبار. من التهديد والوعيد إلى الانكماش والصمت، تبدلت النبرة، وسقطت الهالة التي أحاط بها الفاشل الحوثي نفسه.