معهد واشنطن: التريث الحوثي في البحر الأحمر "تكتيك مؤقت" وليس حياداً
- عبدالمالك محمد، الساحل الغربي:
- منذ شهر
حذر تقرير حديث نشره معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى من أن مليشيا الحوثي ما تزال تمتلك قدرة استراتيجية قد تؤثر بشكل مباشر على مسار أي مواجهة إقليمية بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، تتمثل في قدرتها على تهديد الملاحة الدولية عبر مضيق باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
وبحسب التقرير الذي أعدته الباحثة أبريل لونغلي، فإن المليشيا حافظت حتى الآن على مستوى ملحوظ من ضبط النفس رغم التصعيد العسكري المتبادل بين إسرائيل وإيران وحلفائهما في المنطقة، إلا أن هذا السلوك لا ينبغي تفسيره باعتباره حياداً دائماً أو تراجعاً عن الانخراط في الصراع.
وجاءت هذه التحذيرات في وقت شهدت فيه المنطقة تصعيداً جديداً، تمثل في استئناف تبادل الضربات بين إسرائيل وإيران، إلى جانب التوترات المتصاعدة على الجبهة اللبنانية، وهي تطورات دفعت الحوثيين إلى إطلاق صواريخ باتجاه إسرائيل والتلويح باستهداف السفن المرتبطة بها في البحر الأحمر.
ويرى التقرير أن المليشيا لم تنه استخدام أكثر أدواتها تأثيراً، والمتمثلة في تعطيل حركة التجارة الدولية عبر باب المندب، الذي تمر من خلاله نسبة كبيرة من التجارة العالمية، ما يمنح الحوثيين ورقة ضغط استراتيجية ذات أبعاد اقتصادية تتجاوز حدود الصراع العسكري المباشر.
ورقة مؤجلة وليست مفقودة
ويشير التقرير إلى أن الحوثيين، رغم كونهم من أبرز الحلفاء الإقليميين لإيران ضمن ما يعرف بـ"محور المقاومة"، لم ينخرطوا بصورة واسعة في المواجهة الحالية، خلافاً لما توقعه كثير من المحللين، خصوصاً بعد الضربات التي تعرضت لها قوى حليفة لطهران في المنطقة.
وخلال الحرب في غزة، نفذت المليشيا مئات الهجمات ضد سفن عابرة للبحر الأحمر تحت شعار دعم الفلسطينيين، ما أدى إلى اضطرابات واسعة في حركة الملاحة الدولية، وأجبر العديد من شركات الشحن العالمية على تغيير مساراتها البحرية.
ورغم الضربات الأمريكية والإسرائيلية التي استهدفت مواقع وقيادات حوثية خلال العامين الماضيين، يؤكد التقرير أن المليشيا لا تزال تحتفظ بقدرات عسكرية وتنظيمية تمكنها من استئناف عملياتها البحرية متى ما قررت ذلك.
أسباب التريث الحوثي
ويعدد التقرير أربعة عوامل رئيسة دفعت الحوثيين إلى تجنب الانخراط المباشر في المواجهة الحالية.
أول هذه العوامل يتمثل في رغبة المليشيا بتجنب حملة عسكرية أمريكية جديدة، بعدما تعرضت لضربات مكثفة أضعفت جزءاً من قدراتها العسكرية وأجبرتها على إعادة ترتيب صفوفها.
أما العامل الثاني، فيرتبط بالحسابات السياسية الداخلية في اليمن، حيث تسعى المليشيا إلى الحفاظ على فرص التوصل إلى تفاهمات مع السعودية بشأن إنهاء الحرب اليمنية، وهو مسار قد يتضرر في حال انخراطها الواسع في الحرب إلى جانب إيران.
ويتمثل العامل الثالث في طبيعة الرأي العام اليمني، إذ ترى الدراسة أن تعبئة الشارع دعماً للقضية الفلسطينية أسهل بكثير من حشد التأييد للدفاع عن إيران أو حزب الله.
في حين يرتبط العامل الرابع بتقديرات استراتيجية لدى الحوثيين وطهران معاً، مفادها أن استخدام ورقة باب المندب في الوقت الراهن ليس ضرورياً، وأن الاحتفاظ بها قد يكون أكثر فاعلية في جولات صراع مستقبلية.
متى يتحرك الحوثيون؟
ووفقاً للتقرير، فإن احتمالات التصعيد تبقى قائمة إذا شهدت المنطقة توسعاً إضافياً في نطاق الحرب.. ويستند هذا التقييم إلى تصريحات صدرت عن قيادات حوثية أكدت استعدادهم للتصعيد وتنسيقها المستمر مع حلفائها الإقليميين.
كما يلفت التقرير إلى أن تهديد الحوثيين باستهداف السفن المرتبطة بإسرائيل يمثل مؤشراً على إمكانية الانتقال إلى مرحلة أكثر خطورة، خاصة إذا اتسعت دائرة المواجهة أو شملت أطرافاً إقليمية جديدة.
تداعيات اقتصادية عالمية
ويحذر معهد واشنطن من أن أي تعطيل واسع للملاحة في باب المندب ستكون له انعكاسات اقتصادية عالمية كبيرة، نظراً للأهمية الحيوية للمضيق في حركة التجارة الدولية وإمدادات الطاقة.
كما أن أي اضطراب متزامن في باب المندب ومضيق هرمز من شأنه أن يضاعف الضغوط على الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة، في وقت تشهد فيه الأسواق الدولية بالفعل حالة من الهشاشة وعدم اليقين.
وتبرز مصر والسعودية بين أكثر الدول عرضة للتأثر بتداعيات أي تصعيد بحري جديد، سواء من خلال تراجع إيرادات قناة السويس أو التأثير على مسارات تصدير النفط والطاقة عبر البحر الأحمر.
رسالة إلى واشنطن
ويخلص التقرير إلى أن الإدارة الأمريكية، في حال مضت نحو أي تفاهمات أو تسويات مع إيران، مطالبة بالحفاظ على مبدأ حرية الملاحة الدولية وعدم تقديم تنازلات قد تُفسر باعتبارها مكافأة لاستخدام أدوات الضغط البحري.
وبحسب التقرير، فإن أي اتفاق يسمح بتحقيق مكاسب سياسية أو اقتصادية عبر التهديد بإغلاق الممرات البحرية قد يشجع أطرافاً إقليمية أخرى، وفي مقدمتها الحوثيون، على تبني النهج ذاته مستقبلاً، بما يهدد استقرار التجارة العالمية وأمن الممرات البحرية الدولية.