375 قتيلاً حوثياً خلال يوليو وأغسطس.. خسائر متصاعدة تطول القيادات الميدانية
- عدن، الساحل الغربي، عادل عبدالماجد:
- منذ ساعة
كشفت مراجعة أجرتها شيبا إنتليجنس لسجلات الجنازات والإعلانات المتاحة للعموم، فقط، عن مقتل ما لا يقل عن 375 عنصراً وقائداً ميدانياً حوثياً خلال شهري يوليو وأغسطس 2026، بينهم 133 شخصاً يحملون رتباً عسكرية رفيعة، في مؤشر على تصاعد الخسائر البشرية للمليشيا.
وبحسب المراجعة، ارتفع عدد الوفيات التي جرى الإعلان عنها علناً من 93 حالة في يوليو إلى 282 حالة في أغسطس، بزيادة تتجاوز ثلاثة أضعاف خلال شهر واحد.. كما ارتفع عدد القتلى من ذوي الرتب العسكرية من 29 في يوليو إلى 104 في أغسطس.
وتشير هذه الأرقام إلى أن الخسائر لم تقتصر على العناصر الموجودة في الخطوط الأمامية، وإنما امتدت بصورة ملحوظة إلى مستويات من القيادة الميدانية التي تضطلع بمهام تنظيم الوحدات، وإدارة التعزيزات، والتنسيق مع غرف العمليات.
المُسيرات في صدارة المشهد
يتزامن تصاعد الخسائر مع توسع استخدام القوات الحكومية اليمنية للطائرات المسيرة في استهداف مواقع الحوثيين وتجمعاتهم وتحركات التعزيزات والقادة الميدانيين على عدد من الجبهات.
وترجح شيبا إنتليجنس أن يكون هذا التطور أحد أبرز أسباب ارتفاع أعداد القتلى، خصوصاً في ظل عدم تسجيل معارك برية واسعة النطاق أو تحولات كبيرة في السيطرة على الأرض خلال الفترة نفسها.
وبدلاً من انتظار اندلاع مواجهات مباشرة، أصبحت القوات الحكومية قادرة بدرجة أكبر على استهداف عناصر الحوثيين أثناء تجمعهم أو انتقالهم إلى الجبهات أو استعدادهم لتنفيذ هجمات، الأمر الذي يرفع احتمالات وقوع خسائر في صفوف وحدات كاملة قبل دخولها في اشتباك بري واسع.
ويبدو تأثير هذا النمط من العمليات أكثر وضوحاً على القادة الميدانيين، الذين يتواجدون عادة في نقاط التجمع والثكنات ومراكز القيادة الأمامية أثناء إصدار التعليمات أو تنظيم التحركات.. وبالتالي، فإن استهداف موقع واحد يمكن أن يؤدي في الوقت نفسه إلى مقتل قائد وعدد من العناصر الخاضعين لإشرافه.
وكانت شيبا إنتليجنس قد وثقت في تحقيق سابق تنامي دور الطائرات المسيرة الحكومية في استهداف تجمعات وتحركات الحوثيين في عدة محافظات، من بينها الحديدة والجوف وتعز وحجة والضالع ومأرب وصعدة.
ومع ذلك، لا تحدد إعلانات الجنازات سبب وفاة جميع القتلى، ما يعني أن جزءاً من الخسائر قد يكون ناتجاً عن المدفعية أو القنص أو الاشتباكات البرية المحدودة.. لكن توقيت الارتفاع وحجمه، بالتزامن مع غياب هجوم بري واسع، يدعمان ترجيح الدور المتزايد للضربات المسيرة.
خسارة 38 ضابطاً برتبة عقيد فما فوق
من بين 375 قتيلاً تم رصدهم، كان 133 يحملون رتباً عسكرية رفيعة، بينهم 38 برتبة عقيد فما فوق، فيما بلغ عدد من يحملون رتبة رائد فما فوق 72 شخصاً.
وفي أغسطس وحده، تضمنت الإعلانات الرسمية مقتل لواء واحد وتسعة عمداء و25 عقيداً، إلى جانب عشرات الضباط برتب مقدم ورائد ونقيب وملازم.
لكن قراءة هذه الأرقام تتطلب، بحسب شيبا إنتليجنس، مراعاة طبيعة الهيكل العسكري للحوثيين؛ إذ لا تعكس الرتبة بالضرورة المؤهلات أو المسؤوليات نفسها المتعارف عليها داخل الجيوش النظامية.
فالمليشيا منحت رتباً عسكرية لشخصيات طائفية ومشرفين وقادة ميدانيين صعدوا داخل بنيتها التنظيمية خلال سنوات الحرب.. وفي المقابل، يتولى عدد من الضباط، ولا سيما برتب العقيد والمقدم والرائد، مسؤوليات فعلية تشمل قيادة تشكيلات، والإشراف على قطاعات، وتوجيه التعزيزات، وربط الوحدات المقاتلة بغرف العمليات.
وبالتالي، فإن ارتفاع عدد القتلى من أصحاب الرتب لا يمثل مجرد خسارة في الأفراد، إذ ينعكس على الخبرة العملياتية والقدرة على إدارة الوحدات في الميدان.
ويستطيع الحوثيون، وفق المعطيات التي تستند إليها المراجعة، تعويض جزء من خسائر العناصر عبر حملات التجنيد والتعبئة، إلا أن تعويض قادة راكموا خبرة ميدانية ونفوذاً داخل البنية العسكرية والتنظيمية أكثر تعقيداً.
المحافظات الشمالية تتحمل العبء الأكبر
ولا توزع الخسائر المسجلة بالتساوي على المناطق التي يسيطر عليها الحوثيون.
فبحسب تحليل شيبا إنتليجنس، جاءت صنعاء ومحيطها في صدارة مناطق منشأ القتلى المعلن عنهم خلال يوليو وأغسطس، تلتها محافظات ذمار وحجة وصعدة وعمران.
وسجلت المحافظات الخمس مجتمعة 289 حالة وفاة من أصل 375، أي نحو 77% من إجمالي الحالات المرصودة.
ومع إضافة الجوف والمحويت، ترتفع النسبة إلى أكثر من أربعة أخماس القتلى المعلن عنهم، ما يعكس استمرار اعتماد المليشيا بدرجة كبيرة على حزام بشري وأيديولوجي شمالي ووسطي يشكل أحد أهم مصادر التجنيد لديها.
وترى شيبا إنتليجنس أن الحوثيين تمكنوا خلال سنوات الحرب من توسيع شبكات التعبئة في مناطق تعاني من الفقر وضعف فرص التعليم والعمل والخدمات، مستفيدين من مزيج من الحشد الديني والعلاقات القبلية والضغوط الاجتماعية والحاجة الاقتصادية.
كما يمكن للرتب العسكرية والمكانة الاجتماعية والمزايا التي تُقدم لعائلات المقاتلين أن تشكل عوامل جذب في مجتمعات محدودة الخيارات أمام الشباب.
ويشير التوزيع الجغرافي للقتلى، في هذا الصدد، إلى أن المحافظات الأكثر ارتباطاً بشبكات التجنيد والتعبئة الحوثية ما تزال تتحمل النصيب الأكبر من الخسائر البشرية.
جبهات متعددة.. وخسائر متراكمة
تزامنت الوفيات المعلنة مع نشاط عسكري على عدد من خطوط التماس، ولا سيما في مأرب والجوف وتعز وجنوب الحديدة والساحل الغربي والضالع وصعدة والمناطق الحدودية الشمالية.
وفي مأرب، أفادت تقارير بعمليات نقل لتعزيزات حوثية ومحاولات لزيادة الضغط على جبهتي المحافظة الغربية والشمالية الغربية، إلى جانب نشاط حول حريب.
أما في الجوف، فقد تركزت تقارير العمليات على تحركات عسكرية في مناطق وممرات تربط المحافظة بمأرب والمناطق الحدودية.
وفي تعز، أعلنت القوات الحكومية عن استهداف مواقع وتحركات حوثية والتصدي لمحاولات تسلل، بينما شهد جنوب الحديدة نشاطاً عسكرياً مرتبطاً بهجمات وتجمعات حوثية قرب خطوط التماس.
كما بقيت جبهات الضالع وصعدة والمناطق الحدودية نشطة، مع إعلانات متكررة عن استهداف مواقع وتعزيزات وتحركات تابعة للمليشيا.
ولا تسمح سجلات الجنازات بتحديد مكان مقتل كل فرد من القتلى الـ375، لكنها تكشف، عن مناطقهم الأصلية، بينما تساعد البيانات الميدانية والإعلانات العسكرية في تحديد الجبهات التي شهدت نشاطاً وخسائر خلال الفترة ذاتها.
خسائر بشرية من دون مكاسب ميدانية كبيرة
وتخلص قراءة شيبا إنتليجنس إلى أن التصعيد الذي بدأته مليشيا الحوثي في يونيو يبدو أنه تحول خلال يوليو وأغسطس إلى مسار مرتفع التكلفة على مستوى الأفراد والقيادات الميدانية، من دون أن يقابله تحقيق أي مكاسب.
فبالرغم من ارتفاع أعداد القتلى المعلن عنهم، لم تسفر العمليات عن اختراق ميداني واسع أو تغير جوهري في خريطة السيطرة، بينما تمكنت القوات الحكومية من إحباط تحركات وهجمات عدة واستهداف تجمعات قبل تحولها إلى عمليات برية كبيرة.
وبذلك، قد لا يكون التغير الأبرز خلال هذه المرحلة على الخريطة العسكرية، وإنما في كلفة حشد القوات وتحريكها نحو الجبهات، مع ازدياد مخاطر استهداف الثكنات ونقاط التجمع وطرق الإمداد ومواقع القيادة بواسطة الطائرات المسيرة.
وتؤكد شيبا إنتليجنس أن رقم 375 قتيلاً يمثل الحد الأدنى من الخسائر التي أمكن توثيقها علناً، وليس إجمالي خسائر الحوثيين الفعلية؛ إذ لا تشمل البيانات مقاتلين لم تُعلن وفاتهم، أو لم تُسترد جثامينهم، أو جرى التكتم على مقتلهم لأسباب أمنية وتنظيمية.
وبهذا المعنى، فإن الارتفاع الحاد في الوفيات المعلنة خلال أغسطس، بالتوازي مع زيادة حصة الضباط والقادة، لا يشير فقط إلى استنزاف متزايد للقوة البشرية الحوثية، لكنه يكشف أيضاً عن خسارة جزء من الخبرة القيادية الميدانية التي راكمتها المليشيا خلال سنوات الحرب.