التجارة الإلكترونية.. مصدر دخل جديد لمئات الأسر في مدينة تعز

  • تعز، الساحل الغربي، تقرير/ هاشم علي:
  • منذ ساعة

لم تعد التجارة الإلكترونية في اليمن مجرد وسيلة حديثة للتسوق، بل تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى نشاط اقتصادي وفر مصدر دخل لمئات الأسر، خصوصًا في مدينة تعز، التي تعاني كسائر المحافظات اليمنية من تراجع فرص العمل وارتفاع معدلات البطالة وتدهور القدرة الشرائية.

ففي ظل هذه الظروف، وجد كثير من الشباب والنساء في العمل كوسطاء لشراء المنتجات من منصات التجارة الإلكترونية العالمية فرصة لتأمين دخل يساعدهم على مواجهة الأعباء المعيشية.

ويبرز متجر "شي إن" باعتباره المنصة الأكثر انتشارًا بين العاملين في هذا المجال، إذ يعتمد مئات الوسطاء على استقبال طلبات الزبائن، وشراء المنتجات إلكترونيًا، ثم إيصالها إلى اليمن عبر سلسلة من الوسطاء تبدأ من السعودية وتنتهي عند المستهلك داخل البلاد.

ورغم ما يبدو في هذه العملية من تعقيد، فإنها أصبحت بالنسبة لكثير من الأسر نشاطًا اقتصاديًا مستقرًا نسبيًا، يدر أرباحًا شهرية متفاوتة ويعوض جزءًا من تراجع فرص العمل التقليدية.

وتعكس هذه الظاهرة حجم التحول الذي فرضته الأزمة الاقتصادية على المجتمع، حيث دفعت الحاجة كثيرًا من الأسر إلى البحث عن مصادر دخل بديلة تعتمد على الإنترنت والتجارة الرقمية، في وقت لا تزال فيه البنية التحتية والتشريعات والخدمات اللوجستية تعيق تطور التجارة الإلكترونية بصورة طبيعية.


تجارة فرضتها الظروف

خلال السنوات الماضية، توسعت التجارة الإلكترونية في مختلف أنحاء العالم بوتيرة متسارعة، وبينما استفادت معظم الدول من هذا النمو عبر تطوير خدمات الدفع والشحن والتسويق الإلكتروني، فرض الواقع اليمني نموذجًا مختلفًا فرضته حرب المليشيا وتعقيدات البيئة الاقتصادية.

وفي مدينة تعز، كما في محافظات أخرى، لم يكن دخول كثير من النساء إلى هذا المجال نتيجة خطط استثمارية مدروسة، بقدر ما كان استجابة مباشرة لتراجع فرص العمل وارتفاع تكاليف المعيشة، فبعضهن اتجهن إلى تسويق منتجات منزلية عبر وسائل التواصل الاجتماعي، بينما اختارت أخريات العمل كوسطاء لشراء احتياجات الزبائن من المنصات الإلكترونية.

تقول هديل عبدالله، من سكان مدينة تعز إنها تعمل منذ نحو عامين في هذا المجال، حيث تدير متجرًا إلكترونيًا من منزلها، وتتلقى طلبات الزبائن عبر تطبيق "واتساب"، قبل أن تتولى شراء المنتجات وإتمام جميع إجراءات الشحن حتى وصولها إلى أصحابها داخل اليمن.

وتوضح لـ "الساحل الغربي"، أن العمل يتطلب متابعة مستمرة للطلبات والرد على استفسارات العملاء، إضافة إلى معرفة دقيقة بطرق الدفع الإلكتروني وآليات الشحن، مشيرة إلى أن معظم وقتها اليومي يذهب في التواصل مع الزبائن ومتابعة مراحل وصول الطلبات.


وصول المنتجات

رغم الإقبال المتزايد على التسوق الإلكتروني، فإن معظم المنصات العالمية، ومنها "شي إن"، لا توفر خدمة شحن مباشر إلى اليمن، الأمر الذي دفع العاملين في هذا المجال إلى ابتكار سلسلة لوجستية تعتمد بالكامل على الوسطاء.

وتبدأ العملية عندما يرسل الزبون صور المنتجات المطلوبة إلى الوسيط عبر تطبيقات التواصل الاجتماعي، ويقوم بتحويل قيمة المنتجات إلى الحساب البنكي الخاص بالوسيط، وبعد التأكد من استلام المبلغ، تُنفذ عملية الشراء باستخدام بطاقة مصرفية مخصصة للدفع الإلكتروني.

ولأن المتجر لا يشحن إلى اليمن، يتم تسجيل عنوان استلام داخل المملكة العربية السعودية يعود إلى وسيط يمني مقيم هناك، إذ يتولى هذا الوسيط استلام الطرود فور وصولها، قبل أن يعيد شحنها إلى اليمن عبر ناقلين محليين، وهم أشخاص ينقلون البضائع بين السعودية واليمن باستخدام شاحنات خاصة، وليس من خلال شركات شحن رسمية.

وعند وصول الشحنة إلى اليمن، يتسلمها الوسيط المحلي، ثم يتواصل مع الزبائن لاستلام طلباتهم، وهي رحلة تستغرق عادة ما بين أسبوع إلى أسبوعين، وقد تمتد أكثر بحسب ظروف النقل والإجراءات الحدودية.

ورغم تعقيد هذه السلسلة، فإنها أصبحت نموذجًا متداولًا بين مئات العاملين في التجارة الإلكترونية، خصوصًا النساء، اللاتي وجدن فيها فرصة لبناء مشاريع صغيرة من داخل منازلهن، دون الحاجة إلى رأس مال كبير أو مقر تجاري، معتمدات على الهواتف الذكية ومنصات التواصل الاجتماعي كوسيلة لإدارة أعمالهن.


دخل مستقل

لم تكن أم أحمد، وهي ربة منزل من مدينة تعز، تخطط لدخول عالم التجارة الإلكترونية عندما طلبت أول مرة شراء بعض احتياجاتها من متجر إلكتروني، غير أن تكرار طلبات الأقارب والمعارف دفعها إلى التفكير في تحويل التجربة الشخصية إلى مصدر دخل.

تقول لـ "الساحل الغربي"، إن البداية كانت بسيطة للغاية، إذ كانت تطلب احتياجاتها الخاصة فقط، لكن مع مرور الوقت بدأ المحيطون بها يطلبون منها شراء منتجات لهم، لتتحول العملية تدريجيًا إلى نشاط تجاري توفر من خلاله احتياجات عشرات الزبائن بصورة منتظمة.

وتؤكد أن العمل يعتمد بدرجة كبيرة على الثقة والالتزام، سواء في اختيار المنتجات أو متابعة مراحل الشحن أو الالتزام بمواعيد التسليم، مؤكدة أن السمعة الجيدة أصبحت رأس المال الحقيقي لأي شخص يعمل في هذا المجال، لأن معظم العملاء يعودون للتعامل مع الوسيط نفسه في عمليات الشراء اللاحقة.

وتضيف بأن العمل من المنزل منحها فرصة لتحقيق دخل مستقل دون الحاجة إلى وظيفة تقليدية، كما وفر لها مرونة في تنظيم وقتها، خصوصًا أن معظم العمل يتم عبر الهاتف وتطبيقات التواصل الاجتماعي، وتشير إلى أن هامش الربح، يظل مناسبًا مقارنة بفرص العمل المتاحة، خاصة في ظل الأوضاع الاقتصادية الحالية، إذ تعتمد أرباحها على عدد الطلبات الشهرية وقيمة المنتجات التي يشتريها الزبائن.


تحديات

رغم النمو الملحوظ لهذا النشاط، إلا أن العاملين يواجهون تحديات متعددة تبدأ من لحظة شراء المنتجات ولا تنتهي إلا بعد تسليمها للزبائن.. تقول أم أحمد، إن أكثر ما يقلقها هو مرحلة الشحن من السعودية إلى اليمن، إذ تعتمد هذه العملية على وسطاء وأشخاص يعملون في نقل البضائع بصورة غير مؤسسية، الأمر الذي يزيد من احتمالات تعرض بعض الشحنات للفقدان.

وتضيف أن التأخير في وصول الطلبات يمثل أحد أبرز التحديات التي تواجهها، إذ يؤدي في كثير من الأحيان إلى استياء العملاء، رغم أن أسباب التأخير تكون خارجة عن إرادتها، وترتبط بإجراءات النقل أو الازدحام على المنافذ الحدودية.


بيئة غير مهيأة

لا ترتبط تحديات التجارة الإلكترونية بعمليات الشحن فقط، بل تمتد إلى البيئة الاقتصادية في اليمن، إذ لا تزال معظم منصات التجارة العالمية تمتنع عن تقديم خدماتها بصورة مباشرة للسوق اليمنية بسبب الظروف الأمنية وضعف البنية التحتية.

كما يشكل محدودية خدمات الدفع الإلكتروني، وضعف انتشار الحسابات المصرفية، وتواضع خدمات البريد والشحن، عقبات إضافية تحد من توسع هذا القطاع، فضلًا عن غياب التشريعات المنظمة للتجارة الإلكترونية وحماية المستهلك.

وتشير تقارير إلى أن اليمن ما يزال يحتل مراتب متأخرة في مؤشرات جاهزية التجارة الإلكترونية، نتيجة ضعف البنية الرقمية والخدمات اللوجستية والمالية.


نافذة أمل
مستقبل النشاط

رغم ما يحيط بهذا النشاط من تحديات، فإنه يعكس قدرة اليمنيين على ابتكار حلول اقتصادية تتكيف مع واقع معقد فرضته سنوات الحرب والانكماش الاقتصادي؛ ففي مدينة تعز، لم تعد التجارة الإلكترونية مجرد وسيلة للتسوق، بل أصبحت وسيلة للعيش، ومصدر دخل لمئات الأسر التي وجدت في الهواتف الذكية ومنصات البيع الرقمية فرصة لتعويض جزء من خسائر سوق العمل التقليدي، ونافذة أمل تفتح آفاقًا جديدة في ظل واقع اقتصادي شديد الصعوبة.

ويرى اقتصاديون أن نشاط شراء المنتجات عبر وسيط أو نقطة استلام ثالثة وفر فرصة عمل مهمة للكثير من الأسر، لكنه لا يمثل نموذجًا اقتصاديًا مستدامًا على المدى الطويل، مشيرين إلى أن توسع السوق سيؤدي تدريجيًا إلى ظهور شركات ومؤسسات متخصصة في خدمات الشراء والشحن، تمتلك إمكانات تنظيمية ولوجستية أكبر من الوسطاء الأفراد، وهو ما سيغير طبيعة المنافسة خلال السنوات المقبلة.

ويؤكدون أن التجارة الإلكترونية ستظل من أكثر القطاعات القابلة للنمو في اليمن متى ما تحسنت البيئة الاقتصادية وتوفرت خدمات الدفع الإلكتروني والشحن المباشر، إلى جانب إصدار تشريعات تنظم هذا القطاع وتحمي حقوق التجار والمستهلكين.

ذات صلة