خسائر الجبهات تُشعل انتقام الحوثيين.. اختطافات وتهجير وتضييق في مقبنة وجبل حبشي

  • تعز، الساحل الغربي، تقرير/ هاشم علي:
  • منذ ساعة

لم تعد تداعيات المواجهات محصورة في خطوط التماس والمواقع العسكرية، إذ امتدت آثار التصعيد إلى القرى والمناطق السكنية القريبة من مسار العمليات. وبينما تشير المعطيات الميدانية إلى خسائر تكبدتها مليشيا الحوثي الإرهابية خلال اليومين الماضيين في تعز والساحل الغربي، تصاعدت في المقابل حملات الاختطاف والتهجير التي طالت مدنيين في مديريتي مقبنة وجبل حبشي، في مشهد يعكس تحويل المليشيا خسائرها الميدانية إلى انتهاكات ضمن سياسة انتقام تطال المدنيين.

ويمكن قراءة هذا المشهد في سياق يتجاوز حدود المواجهات المباشرة؛ فالمسألة لم تعد تتعلق بما يحدث في الجبهة وحدها، وإنما بكيفية تعامل مليشيا الحوثي مع المناطق القريبة من خطوط المواجهة، ومع تصاعد الضغط العسكري عليها، تتزايد أدوات السيطرة على السكان، من خلال تشديد الرقابة، وفرض قيود على الحركة، وتوسيع نطاق الملاحقة الأمنية، بما يحوّل القرى والمناطق السكنية إلى ساحة موازية للمواجهة.

وفي المناطق الريفية، تنعكس ممارسات المليشيا بصورة مباشرة على حياة السكان، حيث تفرض قيودًا على الحركة والوصول إلى الخدمات ومصادر الدخل، وتزيد من صعوبة التنقل والتواصل بين الأسر والمناطق، بما يضاعف الأعباء اليومية على المدنيين ويعمّق آثار المواجهات خارج نطاق الجبهات.


خسائر وانتقام

شهدت جبهات تعز والساحل الغربي تطورات ميدانية ألحقت بمليشيا الحوثي خسائر في الأرواح والعتاد، بالتزامن مع تصاعد ممارساتها في المناطق القريبة من خطوط المواجهة، ما انعكس على حياة السكان في القرى خصوصًا في مديرية مقبنة وأجزاء من مديرية جبل حبشي.

وتكشف التطورات الأخيرة عن انتقال المليشيا من مواجهة الخسائر في جبهات القتال إلى تشديد قبضتها على المناطق المحيطة، حيث تتزايد عمليات اقتحام منازل المواطنين وتصاعد حملات الاختطاف ونصب نقاط التفتيش، بما يفرض على السكان واقعًا أكثر قسوة ويحد من قدرتهم على الحركة والتعامل مع تداعيات المواجهات.

ولا تتوقف تبعات هذا التصعيد عند الخسائر المادية أو تغير خطوط المواجهة، بل تمتد إلى حياة الأسر التي تجد نفسها مضطرة للتعامل مع واقع غير مستقر، فاقتراب المليشيا من التجمعات السكانية يرفع مخاطر النزوح، ويعطل مصادر الرزق، ويؤثر في الوصول إلى المدارس والمرافق الصحية والأسواق، لتتحمل العائلات كلفة كبيرة، جراء تصعيد المليشيا الأخير.

وبحسب كثيرين لا تقف تداعيات ممارسات المليشيا في مقبنة وجبل حبشي عند الاختطاف والمداهمات والتهجير، بل تمتد إلى زعزعة استقرار المجتمعات المحلية، ودفع الأسر إلى مغادرة قراها، وتعطيل مصادر رزقها، وإرباك حياتها اليومية، ومع اتساع نطاق هذه الانتهاكات، تتحول سياسة الانتقام إلى وسيلة لترهيب السكان وإخضاعهم، بما يفاقم موجات النزوح ويعمّق معاناة المدنيين.


حملات اختطاف

في مديرية جبل حبشي، اتخذ التصعيد منحى واسعًا مع تنفيذ مليشيا الحوثي حملة اختطافات طالت عشرات المدنيين، حيث تفيد المعلومات بأن عدد المختطفين بلغ نحو 322 شخصًا، بينهم نساء وأطفال، وسط حالة من الخوف سادت القرى والمناطق.

وتزداد وطأة هذه الانتهاكات مع غياب المعلومات عن مصير المختطفين وأماكن احتجازهم، حيث تجهل العديد من الأسر مكان احتجاز أقاربها، الأمر الذي يضاعف معاناة العائلات ويتركها أمام حالة مستمرة من القلق والترقب.

وامتدت حملة الاختطافات إلى مناطق في مديرية مقبنة، لتشمل دائرة أوسع من السكان، وتترك آثارًا تتجاوز المختطفين إلى أسرهم ومحيطهم الاجتماعي، فغياب أحد أفراد الأسرة قد يحرمها من مصدر دخل، أو يضع أعباء إضافية على بقية أفرادها، خصوصًا في ظل الظروف المعيشية الصعبة التي تعيشها المناطق الريفية.

ويؤكد ناشطون أن فداحة حملات الاختطاف تتضاعف مع شمول النساء والأطفال، إذ تتجاوز آثارها حدود الاحتجاز لتطال أمن الأسرة واستقرارها النفسي والاجتماعي، فغياب امرأة أو طفل قسرًا يترك فراغًا داخل الأسرة، ويضع ذويهم أمام خوف دائم على مصيرهم، فيما يعكس استهداف هذه الفئات حجم الانتهاكات التي تمارسها المليشيا بحق المدنيين.

ومع استمرار الغموض حول مصير المختطفين، تتسع دائرة الخوف في القرى والعُزل، حيث يتحول الاختطاف إلى مصدر تهديد يخيّم على المجتمع بأكمله، ويصبح الخوف من الملاحقة والاختطاف حاضرًا في تفاصيل حياة السكان، ويدفعهم إلى الصمت والتزام الحذر، خشية أن يكون التعبير عن آرائهم أو الحديث عما يجري سببًا لوقوعهم في المصير ذاته.


اقتحام المنازل

إلى جانب حملات الاختطاف، تؤكد مصادر لموقع "الساحل الغربي"، أن مليشيا الحوثي الإرهابية نفذت اقتحامات طالت منازل مواطنين في مناطق من مقبنة وجبل حبشي، في ممارسات تنقل الانتهاكات من المجال العام إلى داخل البيوت، حيث يفترض أن تكون الأسر بمنأى عن مخاطر المواجهات.

وتترك هذه الممارسات آثارًا تتجاوز لحظة الاقتحام، لما تمثله من انتهاك لحرمة المسكن وخصوصية الأسرة، فاقتحام البيت بقوة السلاح يضع أفراد العائلة أمام مشهد صادم، ويزرع لديهم شعورًا دائمًا بأن منازلهم لم تعد مكانًا آمنًا، خصوصًا لدى الأطفال والنساء وكبار السن.

وتوضح المصادر أن هذه الاقتحامات خلّفت أضرارًا مادية ونفسية بين الأهالي، إذ لم تنتهِ آثارها بمغادرة عناصر المليشيا للمنازل، بل تركت خلفها حالة من الخوف والترقب لدى الأسر، وحوّلت المسكن من مساحة يفترض أن توفر الأمان والاستقرار إلى مصدر دائم للقلق من تكرار الاقتحام.

ومع تكرار اقتحامات المنازل، تتجاوز آثارها الأسر المستهدفة لتطال استقرار القرى بأكملها، إذ يفقد السكان شعورهم بالأمان داخل منازلهم، وتتزايد مخاوفهم من أن تطالهم الانتهاكات في أي وقت، وبذلك تتحول انتهاكات المليشيا إلى عامل يدفع نحو تفريغ المناطق من السكان.


نقاط تفتيش
تقييد الحركة

تزامن انتشار عناصر المليشيا مع إقامة نقاط تفتيش على طرق وممرات تربط القرى والمناطق المحلية، وتؤدي هذه النقاط وظيفة تتجاوز تفتيش المركبات والأشخاص، إذ تمنح المليشيا قدرة على مراقبة حركة السكان والتدقيق في هوياتهم واتصالاتهم ووجهاتهم.

يقول الأهالي إن الطرق في المناطق الريفية ليست مجرد مسارات للتنقل، بل شرايين حياة تربطهم بالأسواق والمراكز الصحية والمدارس ومصادر العمل، مشيرين إلى أن تشديد الرقابة عليها وفرض القيود على الحركة ينعكس مباشرة على حياتهم اليومية، ويزيد صعوبة الوصول إلى احتياجاتهم الأساسية وممارسة أعمالهم.

هكذا يجد المواطن نفسه مضطرًا إلى تغيير طريقه المعتاد أو تأجيل تنقله، فيما تعيش الأسر هاجس الخوف على أبنائها عند المرور عبر نقاط التفتيش التابعة لمليشيا الحوثي، في ظل غياب الوضوح بشأن ما قد يتعرض له المسافرون من استجواب أو اختطاف، ومع تصاعد التوتر، تتحول هذه النقاط إلى أدوات للرقابة والملاحقة، خصوصًا عندما تتزامن مع حملات تفتيش وبحث عن مواطنين تستهدفهم المليشيا.

وتشير المصادر إلى أن مليشيا الحوثي لا تكتفي بمراقبة الطرق المحيطة بمناطق المواجهات، بل تستخدم نقاط التفتيش لتشديد قبضتها على حركة السكان، وفرض قيود إضافية على تنقلهم، ومع تحول هذه النقاط إلى وسيلة للملاحقة والتضييق، يجد المدنيون أنفسهم أمام واقع يقيد حركتهم ويزيد مخاوفهم، لتصبح الطرق التي يعتمدون عليها في حياتهم اليومية جزءًا من دائرة الانتهاكات.


إفراغ القرى
تهجير السكان

تأتي موجات النزوح كإحدى أخطر نتائج تصاعد الانتهاكات في مقبنة وجبل حبشي، إذ دفعت المداهمات والاختطافات والتضييق على حركة السكان أسرًا إلى مغادرة قراها بحثًا عن الأمان، في ظل تدهور الأوضاع وتصاعد المخاوف من استمرار الانتهاكات.

وبحسب ناشطين، فإن النزوح لا يمثل بالنسبة للأسر الريفية مجرد مغادرة مؤقتة لمكان السكن، بل يعني فقدان مقومات الحياة التي ارتبطت بها لسنوات، فمغادرة القرية قد تعني ترك الأراضي الزراعية ومصادر الدخل والممتلكات، والابتعاد عن البيئة الاجتماعية التي اعتادت الأسرة الاعتماد عليها، ما يفاقم خسائرها ويجعل العودة أكثر صعوبة.

ويضيف هؤلاء أن الأسر النازحة تواجه بعد مغادرتها واقعًا جديدًا، دون ضمانات بشأن مدة النزوح أو إمكانية العودة إلى قراها، مشيرين إلى أنها تجد في أماكن النزوح احتياجات أساسية تتطلب توفير المأوى والغذاء والمياه والخدمات، بينما تتزايد الأعباء على الأقارب والمجتمعات المضيفة التي تضطر إلى استيعاب أسر جديدة في ظل إمكانات محدودة.

ويمتد أثر النزوح إلى القرى التي غادرها سكانها، حيث يؤدي غيابهم إلى تعطيل الزراعة والأنشطة المحلية، وإضعاف الروابط الاجتماعية، وتحويل مناطق كانت تنبض بالحياة إلى تجمعات تفتقد مقومات الاستقرار، ومع استمرار موجات النزوح، يتسع فراغ هذه القرى وتتراجع قدرتها على استعادة حياتها الطبيعية.


ارتدادات الخسائر

يرتبط هذا التزامن بمحاولة مليشيا الحوثي إعادة إحكام سيطرتها على المناطق القريبة من خطوط المواجهة، خصوصًا مع تعرضها لضغط عسكري وخسائر في صفوف مقاتليها، وفي مثل هذه الظروف، تميل المليشيا إلى تشديد قبضتها على محيط الجبهات، خشية فقدان السيطرة على مناطق جديدة أو اتساع نطاق التحركات المناوئة لها.

ومع تعرض المليشيا لخسائر في الجبهات، تتجه إلى تشديد قبضتها على المناطق القريبة من خطوط المواجهة، خشية تسرب المعلومات عن مواقعها وتحركاتها، كما ترتبط هذه الممارسات بمحاولة المليشيا الحد من آثار التراجع في صفوف مقاتليها، خصوصًا مع سقوط قتلى وجرحى وفقدان مواقع ومعدات.

وتنعكس هذه السياسة مباشرة على المدنيين، إذ يتحول الضغط الذي تتعرض له المليشيا في الجبهات إلى تضييق على السكان في المناطق المحيطة، فالملاحقة والاختطاف وتشديد القيود على التنقل تطال المواطنين وتدفعهم إلى النزوح.


معاقبة المجتمع

تكشف التطورات في مقبنة وجبل حبشي عن انتقال آثار المواجهات من خطوط القتال إلى الحياة اليومية للسكان، إذ يجد المدنيون أنفسهم أمام تبعات مباشرة للتوتر العسكري، من دون أن يكونوا طرفًا في المعارك ومع اتساع نطاق ممارسات المليشيا الحوثية، تصبح حياة الأسر ومصالحها اليومية عرضة للاضطراب، وتتحول القرى إلى بيئة مثقلة بالخوف وعدم الاستقرار.

ويؤكد مراقبون أن آثار هذه الممارسات تتجاوز الأفراد الذين تطالهم الانتهاكات مباشرة، لتصيب النسيج الاجتماعي والاقتصادي للمناطق المتأثرة. فتعطيل حركة السكان، والحد من وصولهم إلى أعمالهم وخدماتهم، ودفع الأسر إلى مغادرة مناطقها، كلها عوامل تضعف تماسك المجتمع المحلي وتعرقل قدرته على مواصلة حياته بصورة طبيعية، وتزيد من هشاشته أمام الأزمات.

ويرى حقوقيون أن مليشيا الحوثي تتحمل المسؤولية المباشرة والكاملة عن الانتهاكات التي تطال المدنيين، ولا يمكن تبريرها بالخسائر التي تتكبدها في الجبهات أو بالظروف المحيطة بها؛ مؤكدين أن الاختطاف والمداهمات والتضييق والتهجير ممارسات ممنهجة لمعاقبة السكان وإخضاعهم، وأن المليشيا تنقل كلفة هزائمها العسكرية إلى المدنيين، في انتهاك صارخ لحقوقهم وأمنهم وحياتهم.

ذات صلة