بين التحقيق والتلفيق: محمد عزان.. مناورة سياسيّة في كوكب زُحل!
شاهدتُ حوار الأخ العزيز الباحث محمد عزان مع الإعلامي الكبير الأستاذ عبدالله المديفر، على قناة "خليجية"، وقد أصاب كثيرًا، وناورَ قليلا بفطنته وطريقته المعروفة بكل براعة، وبحكم معرفتي السابقة بالأخ محمد عزان، فقد توقعت منه ذلك أساسًا، وفعلا صدق حدسي، ولي معه هذه الوقفات:
1ــ ذكر الأستاذ محمد عزان أن زيد بن علي كان "أحد أصدقاء ومستشاري" الخليفة عمر بن عبدالعزيز، رحمه الله، والحقيقة أنّ كل المصادر التاريخية المعتبرة خلال تلك الفترة فما بعدها لم تذكر أن زيد بن علي كان مستشارًا له أبدًا، أولا بحكم السن، ففترة حكم الخليفة عمر بن العزيز كانت فيما بين 99 ــ 101هـ، وهي من أقصر فترات خلفاء بني أمية، وهو ما يعني أنّ زيد بن علي في العام 99هـ كان عمره 23 سنة، شابا بلا تجربة سياسية، وثانيا بحكم عدم التأهل العلمي الكامل، بمعنى: لو كان في زمننا هذا لكان طالبًا في مستوى ثالث أو رابع جامعة، وأنى لرئيس أو ملك أن يستشير طالبًا في الجامعة؟! وإن ذكرت بعض المصادر الشيعية أن الخليفة كان يستشير أخاه محمد الباقر، الأكبر سنا منه.
2ــ خروج الشاب زيد بن علي ضد الخليفة الأموي هشام بن عبدالملك، سنة 122هـ، في الكوفة بالعراق ومقتله آنذاك، وليس سنة 121هـ، كما ذكرَ، هو ذات خروج جده الحسين بن علي على الخليفة يزيد بن معاوية، سنة 60هـ الذي قُتل سنة 61هـ. بمعنى البحث عن السلطة والحكم، لا لشيء، إلا لأنّ جدته فاطمة!!
أما مسألة الحكم على كون الخليفة هشام بن عبدالملك ظالمًا، كما أراد الأخ محمد أن يثبت هذه التهمة، فهذه من المسائل الجدليّة في الفكر الإسلامي؛ لأنّ مسألة الظلم تكييفيّة، مزاجية، فمن هو ظالم في نظر فلان، هو عادلٌ في نظر آخر، لا بين أهل السنة والشيعة فحسب؛ بل حتى داخل المنظومة الشيعية نفسها، ولم يُجمع الفقهاء آنذاك على أنّ هشام بن عبدالملك ظالمًا، حتى تسقط شرعيته في الحكم، أو يخرج عليه فلان أو علان من الناس.
خروج زيد يتعلق بتقدير شخصي، لا غير. وهو تقدير خاطئ؛ علمًا أن عهد هذا الخليفة كان من أزهى العهود، وفيه حقق إنجازات كبيرة للأمة على مختلف الأصعدة، تكلمت عنها كتب التاريخ، ليس هنا مجال عرضها. فقد امتد حكمُه من دمشق إلى حدود الصين والهند شرقا، ثم جبال البرانس، شمال الأندلس وفرنسا غربا، إضافة إلى بلاد القوقاز في "أوراسيا"، ثم النوبة وشمال أفريقيا، في الوقت الذي لم يستطع زيد بن علي أن يضمن لنفسه شارعًا واحدًا من شوارع الكوفة، حتى تكتمل موضوعية خروجه على هذا الخليفة/ الإمبراطور.
وعليه نستطيع القول: أن خروج زيد على الخليفة الشرعي القائم هو انقلاب مسلح مكتمل الأركان، اتخذت فيه الدولة تدابيرها الخاصة في مواجهة الانقلاب الزيدي العلوي، وما أكثر هذه الانقلابات والتمردات! وقد أفرد لها الأصفهاني كتابا خاصا سمّاه: مقاتل الطالبيين.
3ــ بتتبع كل الأدبيات الدينية للفكر الشيعي الإمامي الاثناعشري والزيدي الجارودي نجد أنها تُجمع على أن كلَّ معارضٍ لفكرةِ "آل البيت" وفكرة "الولاية" و "الاصطفاء" يدخلُ في عِدادِ الظلمة، النواصب، أتباع بني أمية، الذين يسلبون "آلَ البيت" حقهم السّماوي، المنزل من السّماء! كلُّ معارضٍ لهم "ظالم" لآل محمد؛ بل إنّ مَن يعارضُهم يُعتبرُ من أتباع معاوية..! كما يقول عبدالله بن حمزة بعد غزوه صنعاء، ودخول جيوشه إليها:
فها نحنُ حزبُ الله، والله غالب وهم حزبُ أتباع اللعين معاوية
وهو يضيف فيمن يسميهم "الظَّلَمة": الأصل في أموال الظَّلَمة وأعوانهم وإسبائهم أنها تكونُ بيتَ مال، وأنه يجوزُ للإمام ومن يلي من قِبَله أن يستحيطَ على جميع ما في أيديهم من قليل وكثير، ودقيق وجليل، وما ملكوه بطريق الحل أخذه تضمينًا، وما كان من الحرام أخذه مستحقًا". انظر: المجموع المنصوري، 261/2.
قبله يقول الطاغية أحمد بن سليمان، أحد كبار أئمتهم: "وعندنا أنّ من تقدم على أمير المؤمنين علي، عليه السلام، أو قدم عليه بعد النبي صلى الله عليه وآله فقد ظلمه وجحد حقه، وهو "كافرُ نعمة"، فاسق، ظالم، وقد تهدد الله الظالمين بالنار، والخزي والبوار، وقد صح عنهم أنهم ظلموه حقه، وأنكروه سيفه غير جاهلين ولا شاكّين". انظر: حقائق المعرفة في علم الكلام، الإمام المتوكل على الله أحمد بن سليمان، 467.
وفي نظرِهم فإنّ من يعارضُهم من الناس فإنّ حكمَه حكمُ اليهود، مختلقين حديثا: "مَن أبغضَنا أهلَ البيت حشره الله يوم القيامةِ يهوديًا". "ولا يُبعثُ يهوديًا إلا مَن حُكمُه حكمُ اليهود، ولا يكون حكمُه حكمَ اليهودِ إلا وهو كافر". انظر: المجموع المنصوري، 53/1. وانظر أيضا: مجموع مكاتبات الإمَام عبدالله بن حمزة، تحقيق: عبدالسلام بن عباس الوجيه، 96.
وفي مجموعِ حميدان القاسمي، نسبة إلى عبدالله بن حمزة أنّ من ادعى الإمامة من غيرِ أولادِ البطنين، وإن كان جامعًا للخصالِ، فإنه مباحُ الدم..! انظر: مجموع السيد حميدان، أبي عبدالله حميدان بن يحيى القاسمي، 461.
ومن هنا نشأ ما سموه "كفر التأويل" الذي يقول عنه الإمام الشوكاني: "إن هذا الذي يسمونه كفر التأويل لا أصلَ له، وإنما هو أمرٌ ناشئ عن العصبية الكائنة بين طوائف المسلمين، حتى رمى بعضُهم بعضًا بذلك، بغيًا وعدوانًا". انظر: السيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار، محمد بن علي الشوكاني، تحقيق: محمود إبراهيم زايد، 342/1.
نعم، نشأ هذا النوع من التكفير حين وقعوا في مأزق تكفير من يشهد ألا إله إلا الله محمد رسول الله، ويصلي ويصوم ويزكي ويحج، فقالوا لأنه أتى عملا يؤول إلى الكفر، وهو ظلم آل محمد حقهم.. إلخ.
والأعجب ــ ولا عجب عند هذه الجماعة ــ أنهم ناقشوا لاحقا حكم الكفر كفر تأويل، فقالوا عنه أنه كافر..!!!! وهكذا فلا مناص فالناس كلهم كفرة، كفر تأويل أو كفر صراحة، بالنهاية كافر، كافر..!!
ولا أريد الإطالة هنا، فقد ناقشتُ ذلك بالتفصيل في كتابي: "التنكيل.. الهدم والتخريب الإمامي في اليمن"، الصادر عن مؤسسة أروقة بالقاهرة، 2024م.
4ــ الزلة الكبرى التي وقعَ فيها الأخ العزيز محمد عزان ــ ولا أدري ما مصلحته في ذلك ــ هي قوله: أن الرسي لم يذكر الإمامة في كتب العقيدة.! يا رجل!! ألم تقرأ كتابه: "أصول الدين.. عقيدة أهل البيت الطاهرين عليهم السلام"؟!
سأنقل لك الكلام بنصه من الكتاب المذكور الذي يندرج في باب العقائد: "لا يجوز ترك التمسك بالعترة؛ لأن الكتاب يدلُّ على العترة، والعترة تدلُّ على الكتاب، ولا يقوم واحد منهما إلا بصاحبه". ص: 227. مؤكدًا: ".. فهذه الأصولُ هي التي ندينُ لله بها، فمن دانَ بها فهو أخونا ووليُّنا، ندعو إليها من أجابنا، ونجيبُ من دعانا. هذا دينُنا ونحلتنا، والطيبون من آلِ محمدٍ قادتُنا". نفسه. وانظر أيضا: مجموع رسائل الإمام المنصور بالله عبدالله بن حمزة، تحقيق: عبدالسلام بن عباس الوجيه، مؤسسة الإمام زيد بن علي الثقافية، ط:1، 2002م، 449/1.
وهو ما يؤكده أيضًا عبدالله بن حمزة في سياقِ حديثِه عن الإمامةِ بقوله: "ومذهبُنا أنها في ولد الحسنِ والحسينِ عليهما السّلام محصورة". انظر: انظر: مجموع رسائل الإمام المنصور بالله عبدالله بن حمزة، سابق، 449/1.
ولإمامهم يحيى بن حمزة، الذي يدعون أنه من المعتدلين فتوى تقرر قتل أهل السنة ممن لا يعتقدون إمامة علي، من المجبرة والمشبهة: "وللإمام أن يقتلهم على هذه العقائد، وإن لم يكفرهم، لأن هذا الاعتقاد سيئ ومنكر عظيم، وله قتل الناس حتى يتركوا المنكرات، ويحملهم على سلوك طريقة الوسطى، ويكونون مُقتفين بأئمة العترة، وفقهاء الأمة. انظر: مجموع الإمام المؤيد برب العزة يحيى بن حمزة بن علي بن إبراهيم، تحقيق: قاسم حسن قاسم أحمد السراجي، 288.
وفي مجموع الإمام المحسن: "وقد نصّ أئمتُنا في مصنفاتهم بجواز الإحراق والإغراق والإخناق إن تعذر السيف، وإن كان فيهم من لا يُقتل مع عدم إمكان التمييز..". انظر: مجموع كتب ورسائل الإمام المحسن بن أحمد عليه السلام، جمع وتحقيق: عبدالرحمن محمد محمد المتوكل، 187.
وهي عقيدةُ بقيّةِ الأئمةِ من بعدهم ومن قبلهم، وحتى اليوم.! لا في اليمن فحسب؛ بل حتى خارج اليمن، كجارودية السفاك إسماعيل بن يوسف في الحجاز، وأخيه محمد بن يوسف في نجد، والناصر الأطروش في بلاد الديلم وطبرستان، وكلها في القرن الهجري الثالث، المتقاربة زمنيا مع دعوة يحيى حسين الرسي في اليمن!
وأتحدى من يقول لي أن إماما واحدا من أئمة الهادوية الرسية في اليمن قد عدلَ عن هذه العقيدة، من لدن الرسي، وحتى عبدالملك الحوثي!!!
5ــ مفهوم مصطلح "الزيدية" في نشأته الأولى مفهوم سياسي بحت، وليس فقهيا، ذلك لأن تمرد زيد بن علي وخروجه على الخليفة هشام بن عبدالملك هو خروج سياسي، ضم بعض العناصر المؤيدة لزيد، من المناوئين لحكم بني أمية، أو للخليفة نفسه، وهم بالمئات، علويين، وغير علويين، ولم يثبت معه في معركته الأخيرة إلا قلة قليلة بالعشرات..!
كما لم يتبلور هذا المصطلح في مفهوم ديني فقهي إلا لاحقا، بعد وفاته بعقود، وبعد أن تم جمع الروايات الفقهية المنسوبة إليه على مراحل من قبل بعض الغلاة، خاصة بعد اكتمال المدرسة الجارودية المتطرفة. ولو كان لزيد بن علي مذهب فقهي في حياته لبقي هناك في العراق. ثم إنه لا يوجد في تاريخ الإسلام كله مذهب فقهي لزعيم سياسي معارض! وليس هناك مذهب فقهي يتم توريثه لسلالة معينة بذاتها!
6ــ قال الأخ محمد عزان إن مصطلح "أنصار الله" الذي استخدمه الحوثيون لأول مرة قد ظهر مع بداية مؤتمر الحوار الوطني الشامل في صنعاء في العام 2013م بينما التسمية تعود إلى العام 2009م، في أول عملية هيكلة داخلية وتنظيمية للجماعة، تبناها عبدالملك الحوثي، ولن نتكلم عن التسمية التي وردت في رسالة أحمد حميدالدين إلى الإمام عبدالله الوزير، عقب قيام الثورة الدستورية عام 1948م، فقد كتب إليه: "وإني قادم إليك بأنصار الله". يقصد أتباعه. على أية حال، سنعتبر هذا معلومة خاطئة من جملة الأخطاء التي نقع فيها جميعا، ولا يترتب عليها شيء.
7ــ الزيدية في اليمن تتجلى في الوجه المعاصر الأصرح والأوضح هو وجه محمد عبدالعظيم الحوثي، الرجل الذي لا يعرف المجاملة ولا التغليف ولا الدبلوماسية في الحديث. يقول رأيه بكل صراحة ويمضي. ومعروف فكر وفتاوى هذا الكاهن الكبير. ومن يحاول أن يقسم الزيدية إلى معتدلة ومتطرفة، كمن يحاول أن يقسم الصهيونية مثلا إلى معتدلة ومتطرفة، فهي في محصلتها النهائية صهيونية متوحشة.
8ــ أستطيع القول إني أعرف ما وراء هذه المناورات، وما وراء سعي الأستاذ محمد عزان لصناعة صورة زيدية طوباوية متخيلة في الذهن، مقبولة إلى حد ما، أي "زيدية علمية"، إن صح الكلام؛ لكنه سعي غير موفق، لعدم اكتمال شروطه التأسيسية، لأنه لا يوجد في اليمن إلا جارودية رسية متطرفة، وبعض البيوتات الاثني عشرية المحدودة التي يعرفها الأخ محمد؛ أما من استطاع أن يتجاوز قيود هذه النظرية وشبّ عن طوقها، فلن يُسمى زيديا، الإمام الشوكاني أنموذجا، والأخ محمد عزان ممن استطاع أن يتجاوز تلك القيود أيضا ويتخطاها، على خُطى الإمام الشوكاني، كتابه "قرشية الخلافة تشريع ديني أم رؤية سياسية" الذي أهداني إياه يوما ما خير دليل على ذلك، وبالتالي فليس زيديا أيضا، وإن حاول أن يؤسس لمدرسة جديدة في جغرافيا جارودية متطرفة، حتمًا سيبوء بالفشل، وإذا توسع أكثر، فقد تصبح حياته في خطر، وبالتالي فلا داعي لهذه المناورات من أساسها.