الحجرية.. عروق التاريخ وروح النضال
لطبيعة الأخلاق الإنسانية الراقية التي يحملها ابنُ الحجرية بأصالته وتمدنه ورقيه فقد ظل تبرعهم المالي قائما حتى بعد فشل الثورة الدستورية 1948م، ولم يصبهم اليأس جراء ما حدث؛ بل لقد قرروا رعاية أبناء الثوار الذين أعدمهم الطاغية أحمد أو ألقى بهم في السجن، وأيضا مواصلة التبرعات كما كانت لصالح القضية الوطنية. وذلك لرفع الروح المعنوية لدى المناضلين، ودفع المسيرة الوطنية إلى الأمام حتى تحقق أهدافها، كما يذكر عبدالغني مطهر في مذكراته. فكان هؤلاء التجار بمثابة الآباء والأخوة الكبار لعائلات المناضلين وأبنائهم، ناهيك عمن استضافوهم من الأحرار في الحبشة على نفقتهم، حفاظا على روحهم المعنوية، وعلى مسيرة النضال مستمرة، وهو ما كان فعلا، فعلى الرغم من الظروف الخانقة التي مر بها الأحرار بعد فشل ثورة الدستور إلا أن جذوة الأمل لم يخبُ أوارها، وروح التحدي ظلت كامنة في صدور الأحرار حتى تحقق اليوم المنشود للجميع بعد أقل من 14 عاما على قيام ثورة الدستور.
وعلى قصر حكومة الدستور عقب ثورة 48م فإنها قد قامت على مال التاجر عثمان قائد سلام الذي أقرض الإمام عبدالله الوزير قرضًا كبيرًا، وعقب سقوط إمامة الوزير أعلن هذا التاجر إفلاسه، وتاجر آخر اسمه عثمان قائد العريقي أنفق ما يزيد عن مئة ألف روبية، كما هو الشأن أيضا لدى التاجر شايف محمد سعيد الذي أنفق ثروته كلها في قضية انقلاب 1955م وبعده، وفي دعم بعض الصحف والمنشورات خاصة؛ بل لقد دعم صحيفة صوت السلام التي كان يصدرها الشيخ عبدالله علي الحكيمي في لندن. وكان يمثل حلقة الوصل قبل ذلك بين الأحرار في عدن وفي المهجر، نظرا لنشاطه الدؤوب الذي لا يمل، ولروحه المتوثبة بالروح الوطنية.
لقد كانت تجارةُ الحجرية ــ وتحديدًا الأغابرة والأعروق ــ الرافد الرئيس لنضالات الأحرار اليمنيين منذ ثلاثينيات القرن الماضي، حتى قيام ثورة 26 سبتمبر 62م، وكان رأس المال الحجري هو عمود الاقتصاد الوطني بعد ذلك، وعلى رأسهم رجل الأعمال المعروف هايل سعيد أنعم العريقي، كما كانت الحجرية هي الرافد الأول بالخبرات والكفاءات العلمية والعملية التي انتشرت في شتى بلاد اليمن ما بين طبيب ومعلم وسياسي ومثقف وخباز ومصور وفنان وميكانيكي.. إلخ. ومعهم انتشرت قيم حب الخير واحترام العمل.
وعلى ذكر "الرجل الفاضل" هايل سعيد أنعم تجدر الإشارة إلى إسهاماته الخيرية والمجتمعية في أنحاء اليمن، من المعاهد والمدارس والجمعيات الخيرية والمنح الدراسية التي قدمتها مجموعة هايل سعيد أنعم لآلاف اليمنيين من شرقه وغربه، وشماله وجنوبه، بلا تعصب أو مناطقية، في الوقت الذي عرف الشعب مجموعات تجارية أخرى "كالنار الحمراء" تلتهم كل شيء، ولا تعطي شيئا. مع أن تجارة هؤلاء قد تكونت بطرق مشبوهة، فتراكمت بسرعة البرق، بحكم ارتباط هؤلاء "حمران العيون" بالدولة وتحكمهم بمفاصلها؛ لهذا يحظى هذا البيت التجاري العريق بسمعة شعبية طيبة، واحترام كبير لدى العامة والخاصة، كون مشاريعه الخيرية تعم اليمن أجمع، فيما تجارة البعض قائمة على السحت والاحتكار والتهرب الضريبي، مضاف إلى ذلك صفرية مساهماتهم المجتمعية أو العلمية.
ويستذكر عبدالغني مطهر بعضا من الأسماء التجارية في المهجر التي دعمت نشاط الحركة الوطنية في بواكيره الأولى إلى جانب أحمد عبده ناشر، كلا من: الشيخ عبدالقوي الخرباش وأحمد العبسي ومحمد مهيوب عباس وشايف محمد سعيد صالح وغالب سعيد صالح والشيخ سالم عبيد باحبيشي والشيخ ناشر عبدالرحمن العريقي وإخوانه، ومحمد سلام حاجب وعبدالله ناجي ومحمد علي الأسودي ومحمد أحمد شعلان ومحمد علي الأسودي وجازم الحروي وعبدالرحمن عبدالرب وعلي حسين الوجيه. ومن خارج أبناء الحجرية أيضا الخادم غالب الوجيه. انظر: يوم ولد اليمن مجده، عبدالغني مطهر، 21.
والواقع أنه يصعب حصر جميع التجار صغارًا وكبارًا من أبناء الحجرية في المهجر، أو حتى داخل الوطن الذين كان لهم إسهام إيجابي خلاق في مسيرة النضال الوطني، منذ مطلع القرن العشرين، ذلك أن بعض هذا العطاء لا يزال ممتدًا إلى اليوم، مع بقية الرجال الأوفياء لوطنهم أيضا من مختلف مناطق اليمن، وليس من الحجرية فقط.
نتذكرُ الحجرية اليوم، مقترنة بالتكنوقراط من رجالات الدولة.. بالأحزاب السياسية.. بالمقاولات.. بالتجارة.. بالهندسة.. بالأدب والفن.. بالاغتراب.. بزعامة المنصور بن أبي عامر المعافري.. بفقه مالك بن أنس الأصبحي.. بصوفية أحمد بن علوان.. بهائل سعيد أنعم وأعماله الخيرية.. بأول بنك مركزي.. بنضالات الأستاذ نعمان.. بالنشيد الوطني للفضول.. بأنغام أيوب طارش.. بالجمهورية الفكرة لـ "محمد نعمان".. بمحمد علي عثمان والمجلس السيادي الأول بعد الجمهورية.. بتفاني عبدالقوي حاميم.. بفكر أحمد الأصبحي.. بتضحيات عبدالغني مطهر.. بموقف عبدالرقيب عبدالوهاب.. بشجاعة عيسى محمد سيف.. بلوحات هاشم علي.. بأستاذية عبدالعزيز عبدالغني.. بيسارية عبدالفتاح إسماعيل.. بثقافية سمير اليوسفي.. بكاريكاتور رشاد السامعي.. باستديوهات العبسي.. بمخابز الشيباني.. بحلويات القبيطة.. بفدائية سعيد فارع "إبليس".. بساعة الرحمن لمُنى علي.. بالدكتور رشاد محمد العليمي ومجلسه الرئاسي، إنها الحجرية.. ألمان اليمن بلا منازع. وإن شئت قل: الحُجريّة روحُ اليمن.