كيف يشتري الغرب أمن البحر بتفخيخ اليمن؟

منذ 3 ساعات

تختزل المقاربات الدولية، والغربية تحديداً، أزمة البحر الأحمر في حراسة "ممر مائي" لضمان سلامة السفن وتدفق التجارة العالمية. غير أن هذا الاختزال يمثل خطأً استراتيجياً فادحاً يكرس وهماً كبيراً؛ فالأمن البحري الذي يُفتقد اليوم في المياه، يتقرر حصراً بناءً على ما يجري على اليابسة.

 

في الواقع، لا تعدو الهجمات الحوثية باتجاه البحر كونها هروباً تكتيكياً إلى الأمام، وأداة إلهاء متعمدة لانتزاع شرعية خارجية، وتغطيةً على الفشل الإداري والسياسي الداخلي. إذ توظف الميليشيا هذه الأزمة الإقليمية لإسكات مجتمع يُستنزف يومياً تحت وطأة انقطاع الرواتب، وانعدام الأمن الغذائي، وتوحش الجبايات التي أثقلت كاهل المواطن اليمني.

 

وعلى الجانب الآخر، تتعاطى القوى الكبرى مع هذا التهديد ببراغماتية فجة؛ فقد سارعت الصين وروسيا لعقد تفاهمات منفصلة لاستثناء سفنها من الاستهداف، في حين تلقت واشنطن تطمينات مشابهة عبر مسقط. يبحث الجميع، شرقاً وغرباً، عن صفقات "عبور آمن" تضمن مصالحهم التجارية فحسب، متجاهلين أن هذه المقاربة تمنح الميليشيا الغطاء الزمني اللازم لإعادة بناء ترسانتها وتثبيت سلطة الأمر الواقع بمعزل تام عن أمن المجتمع اليمني واستقراره.

 

اليوم، يتجاوز الخطر لعبة الصواريخ الاعتراضية والطائرات المسيرة. فقد تحولت السيطرة الحوثية على الجزر الاستراتيجية، كجزيرة "ميون"، إلى غرف عمليات ولوجستيات متقدمة. وتنتقل الجماعة بخطى حثيثة من موقع "الوكيل" الإقليمي إلى "صانع الوكلاء"، ناسجةً صلات براغماتية مع تنظيمات مسلحة في القرن الأفريقي، كحركة "الشباب" الصومالية، لتأسيس شبكة تهريب وتنسيق عابرة للحدود تربط فوضى اليمن بتهديدات القارة السمراء.

 

في الداخل، يعمل "مصنع الأزمات" في صعدة بكامل طاقته لإعادة هندسة المجتمع ونسف مبدأ المواطنة لصالح "نظام الولاء" الطائفي. وتتجاوز الكارثة حدود عسكرة المدارس لتصل إلى جرائم موثقة أممياً، تشمل تخدير الأطفال المجندين وسوقهم إلى المحارق. هذه التنشئة العسكرية الراديكالية تحيل أي هدنة دولية محتملة إلى مجرد "استراحة محارب"، تُعدّ جيلاً جديداً لحروب عبثية بلا أفق.

 

إن نجاح أي تفاهمات دولية في البحر الأحمر يجب أن يُقاس بمدى تقليص قدرة هذه الجماعة على إعادة إنتاج العنف مستقبلاً. ويعجز التواجد العسكري الغربي الحالي عن تحقيق ذلك، نظراً لاكتفائه بمعالجة أعراض المرض في المياه، تاركاً جذور الوباء تتمدد وتتأصل في الداخل اليمني.

 

في المحصلة، تبدأ استدامة الملاحة الدولية من تجفيف مصادر الإكراه وحماية حقوق اليمنيين واستعادة دولتهم؛ إذ يستحيل بناء أمن دولي دائم على شواطئ يحكمها العنف، وستظل حماية التجارة العالمية مرهونة بحماية المجتمع اليمني أولاً وقبل كل شيء.