إيران والحوثي: من تمويل السلاح إلى تهديد السعودية

منذ ساعة

عملت طهران على تمكين وتأمين إيرادات قطاع الاتصالات وحمايتها تكنولوجياً واستخباراتياً

 

فهم الاعتداءات الحوثية على السعودية يقتضي الربط بين ثلاثة مستويات متداخلة: السلاح والاقتصاد والدعم الخارجي.

 

لم يعد من المنطق فهم الاعتداءات الحوثية على السعودية على أنها امتداد محلي للحرب اليمنية أو مجرد عمليات عسكرية متفرقة تفرضها ظروف المواجهة العسكرية، فاستمرار التهديد وتنوع أدواته وتزامنه مع تحولات متسارعة في المنطقة وبصورة أوسع، تكشف لنا حقيقة معادلة تتجاوز حدود اليمن إلى توظيف السلاح والمكان والموارد الاقتصادية، في استراتيجية تستهدف السعودية ومصالحها الحيوية وتؤثر في أمن المنطقة واستقرارها. وتكتسب هذه المعادلة دافعيتها من أن الحوثيين لا يعتمدون على القوة العسكرية وحدها، فهناك منظومة متداخلة تجمع بين السيطرة عليهم والدعم الخارجي وتوجيه وتطوير القدرات القتالية لديهم. وحين تجتمع هذه العناصر يصبح السلاح أكثر من أداة للمواجهة المباشرة، فهو عملياً بات وسيلة لإطالة وقت المعركة ومساحتها.

 

 لا يمكن فصل هذا المسار الحركي عن طبيعة العلاقة بين الحوثيين وإيران، فالدعم العسكري والتقني الإيراني، الذي تناولته تقارير أممية، لا يمثل خبراً ثانوياً في تفسير تطور القدرات الحوثية، إذ أشار فريق متخصصي الأمم المتحدة المعني باليمن إلى أن الحوثيين لا يمتلكون القدرة على تطوير وإنتاج منظومات عسكرية معقدة من دون دعم خارجي، كذلك وثقت تقارير المتخصصين أوجه تشابه بين مكونات عسكرية حوثية ومكونات ذات منشأ خارجي مع استمرار المخاوف من نقل المواد والتقنيات والخبرات اللازمة لتطوير هذه القدرات.

 

 تراهن إيران على أن يمنحها دعم القوى المسلحة خارج حدودها مجالاً أوسع للحركة من دون أن تتحمل في كل مرة تبعات المواجهة المباشرة مع الآخر، الذي هو بالضرورة وفق هذه الأحداث هو السعودية، لكن هذه المعادلة في هذه الحال سيظل لها حدودها، فالقوة التي تستند إلى جماعات مسلحة تظل مرتبطة بقدرة تلك الجماعات على الاحتفاظ بمصادر تمويلها وإمدادها وبالبيئة السياسية التي تتحرك فيها، كذلك فإن توسيع نطاق التهديد يستدعي تنسيقاً إقليمياً ودولياً أوسع لمواجهته. ومن ثم فإن السؤال الاستراتيجي لا يتعلق بمدى قدرة إيران على إيصال السلاح إلى حلفائها فحسب، فالأمر أكبر من هذه اللعبة، فالخيانات الغادرة لا تأتي دوماً في شكل موقف يحدث أن تأتي في شكل جماعة مضطربة يجري تسليحها.

 

نعم يكمن بعض الخطورة في العلاقة التبادلية بين إيران والحوثيين ولكنها لا تكمن في الدعم العسكري والتقني وحده الذي أسهم في تطوير قدراتهم. هذا الدعم أتاح لطهران قدرة على توسيع نطاق الحرب عبر قوة مسلحة تتحرك من موقع جغرافي بالغ الحساسية. فالحوثيون لا يشكلون مجرد طرف في الحرب اليمنية، الذين تعدهم إيران أدواتها المتحركة ليس أكثر، وإنما يمثلون امتداداً لقدرة إيران على نقل المواجهة إلى محيط السعودية وتهديد المصالح الحيوية في المنطقة. وهنا تتجاوز المسألة حدود العلاقة بين طرفين، هما طرف محرك وأداة، حيث تتيح لإيران توسيع أثرها في المنطقة عبر السلاح الإيراني واليد الحوثية.

 

وتنبع أهمية هذا البعد الاستراتيجي من طبيعة موقع اليمن نفسه مثل مضيق باب المندب والقرب من خطوط الملاحة الدولية، إذ عندما توظف هذه الجغرافيا وتزود بقدرات صاروخية وطائرات مسيرة وأدوات تهديد للملاحة ولدول الجوار، يصبح بالإمكان التأثير في حركة التجارة والطاقة وفي خفة الاعتداءات على السعودية وفي سهولة تزودهم بالسلاح من منافذ عدة.

 

مع كل هذا الحوثيون ليسوا مجرد أداة بلا مصالح خاصة على رغم ضعفهم، فقد بنت الجماعة منظومة سيطرة داخل المناطق الخاضعة لها، وتملك دوافع سياسية واقتصادية محلية تسعى إلى حمايتها وتوسيعها، لكن وجود هذه المصالح لا ينفي أثر وقوة الدعم الخارجي، وفي حسابات إيران تتداخل المصالح المحلية مع الهدف ومع الدعم الخارجي، وهو ما يجعل العلاقة أكثر قدرة على الاستمرار والتكيف.

 

من هنا يصبح فهم الحوثيين من خلال خطابهم السياسي وحده أو من خلال العمليات العسكرية وحدها، فهماً ناقصاً، فالقوة التي تتيح للجماعة مواصلة نشاطها لا تقوم على السلاح فقط، هي تقوم على أسباب عدة منها دعم يمول السيطرة ويضمن استمرار مؤسساتها وشبكاتها. وكلما ازدادت قدرة الجماعة على تحصيل الموارد خارج الأطر الاقتصادية والمالية الطبيعية ازدادت قدرتها على تحمل الضغوط وعلى إعادة إنتاج أدوات التهديد في المنطقة.

 

تقدم الإيرادات المرتبطة على سبيل المثال بقطاع الاتصالات مثالاً على هذه البنية الاقتصادية، فقد أشارت تقديرات متداولة في تقارير متخصصة نشرها مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية إلى أن إيرادات المكالمات الدولية والجوال قد تصل إلى نحو 20 مليون دولار شهرياً، كذلك وردت تقديرات أخرى لإيرادات قطاع الاتصالات الإجمالية التي بلغت نحو 150 مليار ريال يمني سنوياً، ما يعادل قرابة 92 مليون دولار وفق سعر الصرف المستخدم في تلك التقديرات. وهذه الأرقام لا تقيس الشيء نفسه ولا ينبغي جمعها أو التعامل معها على أنها حساب مالي مدقق، لكنها تشير إلى أهمية قطاع الاتصالات بوصفه مورداً اقتصادياً في مناطق سيطرة الحوثيين الذي عملت إيران على تمكين وتأمين هذه الإيرادات وحمايتها تكنولوجياً واستخباراتياً.

 

وتكمن أهمية هذه الإيرادات في أنها تمنح الجماعة الحوثية قدرة على تمويل منظومة السيطرة والإدارة وتوفير الموارد اللازمة لاستمرار نشاطها. ومن الضروري هنا التمييز بين الإيرادات التي تحصل عليها الجماعة والأموال التي يمكن إثبات توجيهها مباشرة إلى شراء السلاح أو تطويره، فالأرقام الاقتصادية لا تثبت وحدها مسار الإنفاق العسكري، لكنها تساعد على فهم البيئة التي تسمح باستمرار القوة المسلحة على رغم الضغوط والعقوبات، وقد تناولت تحليلات لمعهد دراسات الحرب نشرتها وكالة "أسوشيتد برس"، احتمال أن يكون استهداف البنية التحتية المدنية جزءاً من محاولة لرفع الخسارة الاقتصادية على السعودية ودفعها إلى تقديم تنازلات.

 

في هذا السياق، لا ينبغي الخلط بين القدرة على إلحاق الضرر والتكافؤ العسكري، فامتلاك الحوثيين أو تمكينهم من وسائل قادرة على تهديد أهداف بعيدة أو إرباك حركة الملاحة البحرية والجوية، لا يجعلهم قوة مكافئة للسعودية من ناحية القدرات العسكرية الشاملة، إنما تكمن خطورة هذه الوسائل في طبيعة الحرب غير المتكافئة، التي تسمح لطرف أقل قدرة بتوليد أخطار قد تتطلب من الطرف الأقوى إنفاقاً وجهداً مستمرين للتعامل معها.

 

ويزداد هذا البعد أهمية عندما يُقرأ ضمن سياق إقليمي أوسع، فإيران راكمت خلال أعوام أدوات عدة للتأثير في محيطها بالمنطقة وذلك عبر حلفاء وشبكات مسلحة تعمل في ساحات مختلفة. ويتيح هذا النمط توسيع نطاق الضغط خارج حدودها المباشرة ويجعل بعض المواجهات الإقليمية تتجاوز العلاقة الثنائية بين دولتين، هذا على الأرجح ما يحدث، وفي الحالة اليمنية تمنح العلاقة مع الحوثيين طهران فرصة للاستفادة من موقع جغرافي حساس ومن قدرة مسلحة قادرة على تهديد مصالح إقليمية ودولية وبطرق غير مباشرة.

 

ولا تتطلب قراءة هذه المعادلة افتراض أن جميع القرارات الحوثية تصدر من مركز واحد خارج اليمن، فالجماعة تملك حساباتها الخاصة وتتقاطع مصالحها مع المصالح الإيرانية أو تختلف عنها في بعض التفاصيل القليلة، لكن تحليل الأثر الاستراتيجي لا يتوقف عند تحديد صاحب القرار في كل عملية منفردة، بل ينظر أيضاً إلى الجهة التي أسهمت في بناء القدرات وإلى البيئة التي تسمح باستخدامها وإلى الطرف الذي يمكن أن يستفيد من النتائج المترتبة عليها.

 

ومن المهم في قراءة هذا السياق كذلك النظر إلى التصنيفات والعقوبات في حدودها الدقيقة، فقد أعادت الولايات المتحدة تصنيف الحوثيين منظمة إرهابية أجنبية في مارس (آذار) 2025، كذلك فرضت وزارة الخزانة الأميركية عقوبات على أفراد وشبكات قالت إنها مرتبطة بتمويل الحوثيين أو بتسهيل أنشطة اقتصادية تدعمهم.

 

إن التعامل مع التهديد الحوثي على أنه ملف عسكري منفصل عن الاقتصاد والسياسة الإقليمية الإيرانية غير كاف، فالمواجهة لا تتعلق فقط باعتراض صاروخ أو إسقاط طائرة مسيرة، وإنما بتقليص قدرة المنظومة التي تنتج التهديد على تجديد مواردها وتطوير أدواتها والاستفادة من الطبيعية الجغرافية والدعم الخارجي، ولهذا فإن فهم الاعتداءات الحوثية على السعودية يقتضي الربط بين ثلاثة مستويات متداخلة: السلاح الذي يمنح الجماعة القدرة على التهديد، والاقتصاد الذي يساعدها على الاستمرار، والدعم الخارجي الذي على ما يبدو ليس طرفاً واحداً والذي أسهم في تطوير قدراتها ورفع قيمتها الاستراتيجية.

 

في النهاية لا تكمن المسألة في عدد الهجمات وحده ولا في حجم الخسائر المباشرة فقط، إنها تتطلب النظر إلى ما وراء السلاح الظاهر: إلى مصادر تمويله وشبكات إمداده والبيئة التي تتيح استمراره والوظيفة التي يؤديها، فحين يتحول السلاح إلى حالة من التسلح المتجدد في المنطقة، فلا تعود معالجة الهجمات المنفردة كافية لفهم التهديد أو الحد من قدرته على التجدد، بل فهم الحالة ووقف تمددها من مكان مختلف.

 

إن السعودية تتعامل مع هذا التهديد من موقع الدولة التي تعرف مصالحها وتدرك طبيعة خصومها وتملك أدوات حماية أمنها، فالدعم الإيراني للحوثيين لا يغيّر حقيقة اختلال موازين القوة ولا يمنح طهران حق فرض معادلاتها على المنطقة. وما ينبغي أن يحكم قراءة هذه المواجهة هو حجم القدرات الفعلية وحدودها والنتائج التي تستطيع تحقيقها، لا الضجيج الذي يرافق الهجمات، فالسعودية ليست ساحة تُختبر فيها الرسائل الإيرانية، ولا طرفاً ينتظر ما تمليه عليه جماعة مسلحة يُدفع بها لساحة المعركة، إنها دولة ذات ثقل إقليمي سيادي، تتعامل مع التهديد وفق مصالحها وحساباتها، وتحدد بنفسها شروط أمنها ومجال تحركها وتظل الدولة دولة والجماعة المسلحة مجرد جماعة مسلحة.


* كاتبة وباحثة سعودية - اندبندنت عربية