ما ليس في علم أشقائنا من النخبة الثقافيّة الخليجيّة: اليمن في الاستراتيجيّة الإماميّة

  • د. ثابت الأحمدي يكتب:
  • منذ ساعة

حين نكتبُ عن المشروع الإمامي في اليمن، فإننا لا نجترُّ غُبار التاريخ، أو نتوارى بين دهاليز الماضي؛ بل نكتب عن فكرة ممتدة، وحلم قائم، قديم/ جديد في نفس الوقت!

حين وصلَ يحيى حسين الرسي قادمًا من المدينة المنورة، داعيا لنفسه بالإمامة في تلك الجبال الشاهقة، وقد فرّ من عدالة الدولة العباسية القائمة، كان ابنُ عمه الناصر الأطروش يدعو لنفسه بالإمامة في نفس اليوم والشهر والسنة في بلاد الجيل والديلم، وكان ابن عمهما الآخر أيضا يوسف بن محمد، نجل الأخيضر النجدي أيضا يدعو لنفسه بالإمامة في إقليم اليمامة وسط نجد، وتحديدًا في منطقة الخرج اليوم، خارج الرياض، وقد جَمَعَ ما استطاع جمعه من قُطاع الطرق والعصابات، من الأعراب، وجعلهم من خاصته، فنفرَ منه الناسُ وكرهوه، نتيجة تصرفاته، فأذاقهم الويلات، قتلا وهدمًا وتشريدًا، كما تحكي صفحات التاريخ، كما كان بنو عمومتهم أيضا في نفس الفترة يدعون لأنفسهم بالإمامة في بلاد المغرب العربي!

تستطيع القول هنا ــ وأنت تتأملُ خارطة الانتشار العائلي ــ أنّ ثمة مجلسًا سياسيًا أعلى قد ضمّ قبل هذا شباب السُّلالة الطامحين، لتأسيس دويلاتهم الكهنوتيّة الخاصّة في أطراف الدولة الإسلاميّة القائمة آنذاك!

كان هدفُ أبناء العم الإطباق على الحجاز أولا، بما تمثله الحجاز من رمزية دينية، ومن ثم التوجه نحو العراق، للقضاءِ على الخلافة الإسلاميّة، ومن ثم السيطرة على بقيّة البلدان؛ لاسيما وقد توطد لهم بعضُ الحضور في المغرب العربي، فيما عُرف بحكمِ الأدارسة هناك منذ العام 172هـ، وكان كيانهم هناك أول دويلة ذات طابع سلالي عرقي تنشق عن مركز الخلافة العباسية، عقب فرار مؤسسها إدريس بن عبدالله الهاشمي بعد هزيمته في موقعة "فخ" قريبا من مكة المكرمة "حي الشهداء حاليا" على يد الخليفة العباسي، موسى الهادي، سنة 169هـ. وقد كان يحيى حسين الرسي يقولُ عن بني عمومته خلفاء بني العباس: لو استطعتُ أن أستعينَ عليهم بالذئاب لفعلت..!
صَدّ اليمنيون هذا المشروع من أول يوم، وقاوموا الفكرة التي لم تستقر في اليمن، ناهيك عن أن تعودَ إلى بقية البلدان؛ لهذا تشكل كلُّ ذلك الحقد الدفين في نفوسِ كبار كرادلة هذه السُّلالة الذين ظلوا ينظرون لليمنيين باعتبارهم حائطَ صدٍّ كبير أعاقَ مشروعهم السُّلالي الكبير، وحال دون عودتهم على صهوة جواد أبيض إلى الحجاز!!

أرأيتم؟!!

ومع فشل هذا المشروع من أول يوم إلا أنّ فكرته ظلت باقية في استراتيجيّةِ كل إمامٍ من أئمتهم.

لقد ظلت بغداد عاصمة الإمبراطوريّة العربيّة الإسلاميّة هدفا للسلاليين أينما كانوا، ففي مصر تمرد الفاطميون عن الخلافة إبان حكمهم، كما فعل أجدادُهم سابقا في المغرب، وحين قضى عليهم صلاح الدين الأيوبي أعاد الارتباط ببغداد، معترفا بمركزية الخلافة الإسلاميّة هناك. كما خرجوا عنها في اليمن وبلاد نجد وفارس وغيرها.
لم يكن يحلم بصنعاء، ولا بذمار كما يقول؛ بل ببغداد، وظل هذا الحلم كذلك قائمًا عند أحفاده حتى عهد المتوكل إسماعيل الذي غزا أطراف الحجاز، وألزم الناس بالخطبة له هناك على كراهيتهم له..!

تُفصح لنا مراسلاتُ الرسي من جبال اليمن الحصينة في صعدة إلى بني عمومته في الجيل والديلم والرس والحجاز عن مشروع سلالي عرقي يستعبد الناس، وذلك بمراسلتهم شعرا، مطالبًا إياهم بإمداده بالمقاتلين:

كذلك أنتم يا آلَ أحمد فانهضـُــــوا بجيشٍ كسيلٍ حدرته الجراشع
فما العز إلا الصَّبر في حَومة الوغى إذا برقت فيه السُّيوف اللوامع
هل الملكُ إلا العز والأمر والغنى وأفضلكم من هَذبته الطبـَــائع
بنيتُ لكم بيتًا من المجد سُمْكه دوين الثريا فخرُه مُتتابع
ألم تعلموا أني أجودُ بمهجتي ومالي جميعًا دونكم وأدافع
فما أحدٌ يسعى لينعش عزكم سواي وهَذا عند ذي اللب واقع
متهكما من اليمنِ واليمنيين، وسَاخرا منهم:
بني العم إني في بِلاد دنيَّةٍ قليل وِداها، شرُّها مُتتابع
وليس به مالٌ يقوم ببعضها وساكنها عريانٌ غرثان جائع
فإن لم تكافوني بفعلي فتُحسِنُوا فلا يأتني منكم ـ هُديتم ـ قطائع

ويؤكد هذه النزعة الخبيثة الطاغية أحمد بن سليمان بعده بثلاثة قرون، ت. 566هـ، معلنًا ذات الخطة، في قوله مخاطبا بني عمومته السلاليين في اليمن وخارج اليمن:

قوموا جميعًا بني الزهراء وانتصروا مما أضَرَّ بكم من سَالف الزمن
وجَاهدوا في سَبيل الله وانتقموا للحق واستيقظوا من غمرة الوسن
إني نهضتُ للم الشَّمل شملكم وما لويتُ على أهلٍ ولا وطن
فإن تجيبوا أملِّكُكم بلا كذبٍ على الشَّريعة أرضَ الشَّام واليَمن
وأقتني لكم ما ينفعُكم ويحفظ العز من حِصنٍ ومن حُصُن
يا قوم إن تسمعوا مني أكُنْ لكم أصفى من الماء أو من خالص اللبن

وفي استراتيجيته الكبرى يصرح السفاح ابن حمزة شعرا: استراتيجيته الكبرى في الحكم، كما ذكرنا في الحلقة السابقة:

لا تحسبوا أنّ صنعاء جُلَّ مأربتي ولا ذمار إذن أشمتُّ حسادي
واذكر إذا شئتَ تشجيني وتطربني كَرَّ الجيادِ على أبوابِ بغداد

مؤكدًا ذلك بالقول: "ولو لم يبق من عمر الدنيا إلا يوم واحد لطوَّل الله ذلك اليوم حتى نملك الأرض بين أقطارها على بني العباس، وعلى غيرهم من الناس.. ولا يكون ذلك إلا من تلقاء اليمنِ، وربك أعلم مَن صاحبه؛ وكل مُستحق يرجو أن يكون صَاحِبَ ذلك، ليُعزَّ دينَ الله، لا ليوسِّع في الدنيا..".

ولنضع ألف خط تحت عبارة "من تلقاء اليمن" التي كانوا يعتبرونها المنطلق الأساس للمشروع السُّلالي الأكبر، ولا يزالون. فالرجل لا يريد "صنعاء" ولا "ذمار"! يريد بغداد، عاصمة الخلافة والملك!

بغداد سابقًا، هي الرياض اليوم، باعتبار الرياض حامية عربية، ومرجعية إسلامية، وهدفهم المركزي دومًا القضاء على الدولة الإسلامية الكبرى القائمة، في كل زمانٍ ومكان، ليستعيدوا حقهم الإلهي في الحكم، حد اعتقادهم!

لقد التقت أحقاد الفُرس مع أحقاد هذه السُّلالة منذ بواكيرِ فجر التاريخ الإسلامي، فتحالفوا تحالفًا استراتيجيا وثيقا فيما بينهم منذ العصر الأموي، وتحديدًا منذ ثورة المختار الثقفي سنة 66هـ، ضد الخليفة عبدالملك بن مروان، وحتى اللحظة، وما من دولة سلالية، أو فتنة طائفية قامت إلا وخلفها الفرس!

واليوم.. لا تزالُ نفس الاستراتيجيّة قائمة، كما يفصحُ عنها كتاب "عصر الظهور" للعاملي الكوراني، الكتاب الأهم في مناهجهم التنظيميّة. مشروعهم واضح المعالم، مكتمل الرؤية، والمشكلة تكمن في موقفنا المتدحرج غير الصّارم تجاهه. بمعنى لم يعودوا يتآمرون علينا بالخفاء؛ بل يعلنون عن مشروعهم صراحة..!

ماذا يقول كتاب عصر الظهور، الدليل النظري للمشروع الإمامي الفارسي؟

يقول: "ثم يخرج ملك من صنعاء، اسمه حسن أو حسين، فيذهب بخروجه غمر الفتن، يظهر مباركا زاكيا، فيكشف بنوره الظلماء، ويُظهر به الحق بعد الخفاء". انظر عصر الظهور، ص: 119.

مضيفا: "أما دور اليمانيين المُمهدين في العراق، فقد ذكرت بعض الروايات أن اليماني يدخل العراق على إثر غزو السفياني له.. أما في منطقة الخليج فمن الطبيعي أن يكون الدور الأساسي فيها لليمانيين، مضافا إلى الحجاز.. بل لعل حكم اليمن والحجاز وبلاد الخليج يكون بعهدة قوات اليمانيين التابعة للمهدي عليه السلام". نفسه. 119.

ولنتوقف أمام المرسوم الأخطر هنا، فنقتطف الكلام بنصه: "ومع أن دور الإيرانيين في التمهيد للمهدي ــ عليه السلام ــ دور واسع وفعال، ولهم فضل السبق والتضحيات؛ حيث يبدأ أمر المهدي ــ عليه السلام ــ بحركتهم، إلى آخر ما ذكرته الأحاديث الشريفة، وسنذكره في دورهم في عصر الظهور، فما هو السبب في أن ثورة اليماني ورايته أهدى من ثورة الإيرانيين ورايتهم؟ يُحتمل أن يكونَ السبب في ذلك أن الأسلوب اليماني الذي يستعمله اليماني في قيادته السياسية وإدارة اليمن أصح وأقرب إلى النمط الإداري الإسلامي في بساطته وحسمه، بينما لا تخلو دولة الإيرانيين من تعقيد الروتين وشوائبه، فيرجع الفرق بين التجربتين إلى طبيعة البساطة والقبيلة في المجتمع اليماني، وطبيعة الوراثة الحضارية في المجتمع الإيراني. ويُحتمل أن تكونَ ثورة اليماني أهدى بسببِ سياسته الحاسمة مع جهازه التنفيذي.. ولكن المرجح أن يكون السبب الأساسي في أنّ ثورة اليماني أهدى أنها تحظى بشرف التوجيه المباشر من الإمام المهدي عليه السلام، وتكون جزءًا مباشرًا من خطة حركته، وأنّ اليماني يتشرف بلقائه وبأخذ توجيهه منه". نفسه، 120.

خلاصة القول، الإمامة في اليمن ليست ملكيّة، وليست جمهورية، وليست سلطانية، وليست أميريّة، إنها كهنوتية طغيانية إرهابية مارقة، وما لم يتم قطع رأس الأفعى ومشروعها التربصي الخطير فإنّ الخطرَ محدق بالجميع، خاصّة مع المؤامرات الخارجية الأخرى، ومع المشاريع العابرة للقارات، والمتغيرات الجديدة، ونخبتكم السياسية أدرى بها منا جميعًا.

والآن هل عرفتم حقيقة هذا السّرطان المدمر؟ وهل أدركتم قيمة مقاومة اليمنيين لهذا المشروع الخبيث من وقت مبكر، وحتى اليوم؟!

ذات صلة