سلام الأوهام على أبواب «المندب».. لماذا لن تنجو المنطقة إلا بتحطيم آلة الحوثي؟
- كتب/ سمير اليوسفي:
- منذ ساعة
في الطب، لا يفشل التشخيص الخاطئ في علاج المريض فحسب، بل قد يقتله؛ وكذلك الحال في السياسة.
فمنذ تمرّد صعدة الأول قبل اثنين وعشرين عاماً (2004)، والعالم يمارس مع الحركة الحوثية أخطر أنواع التشخيص الخاطئ؛ إذ يتعامل معها كحركة مطلبية أو فصيل سياسي متمرد يمكن ترويضه بالحوارات والوساطات والحصص الوزارية، أو إغراؤه بالهدن الاقتصادية، أو حتى —كما يقترح بعض الأكاديميين في أبوظبي مؤخراً في لحظة ضجر استراتيجي— إعلان وفاة الحل العسكري، وترك الشمال اليمني لحروبه الداخلية خلف جدار عازل يحمي «دولة الجنوب» وجيران الخليج تحت لافتة «لا حرب ولا سلم»!
المشكلة في هذه الوصفات السحرية أنها تُكتب بمعزل تام عن خريطة الميدان، وعن «كتالوج» التشغيل العقائدي والعسكري لهذه الجماعة.فعندما يلتقي وزير شؤون الشرق الأوسط البريطاني بالمبعوث الأممي هانز غروندبرغ للحديث عن جهود دبلوماسية لوقف التصعيد، بالتوازي مع إعلان وزارة الدفاع البريطانية حصر مشاركة مقاتلاتها في مهام دفاعية لحماية أجواء المملكة مع اشتراط «عدم تنفيذ أي ضربات داخل اليمن»، أو حين تُطرح مبادرات تهدئة إقليمية متعجلة؛ فإن أصحاب هذه المقاربات الجزئية يكتفون بمطاردة «الدخان» في الجو مع الإبقاء على «المحرقة» مشتعلة على الأرض، ويغفلون حقيقة جغرافية صارخة:
الحوثي اليوم يطبق قبضته على جُلّ المحافظات الشمالية وكتلتها السكانية الضخمة، ولم يتبقَّ خارج سيطرته سوى جيب حضري محاصر يضم أربع مديريات تشكل قلب مدينة تعز، إضافة إلى شريط ساحلي معزول يمتد من ذو باب إلى باب المندب، ومديريتين كاملتين فقط من أصل أربع عشرة مديرية في مأرب تضمّان مركز المدينة وحقول الطاقة، مع سيطرة جزئية في بضع مديريات أخرى.
الذهاب إلى طاولة مفاوضات وتجميد الجبهات في ظل هذا الاختلال الجغرافي الفادح لا يعني صناعة السلام، بل هو توقيع صك استسلام يمنح الحوثي بالدبلوماسية ما عجز عن شرعنته بالحرب، ويكافئه بتحويل «سلطة الانقلاب» إلى «دولة أمر واقع».
والطريف حقاً أن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي خرج علينا مؤخراً بابتسامة دبلوماسية عريضة ليبلغنا أن طهران حاولت التوسط بين الرياض والحوثيين، لكن المشكلة —حسبما زعم— أن «أنصار الله يتخذون قرارهم بشكل مستقل»!
وهي نكتة تذكرنا بهزليات الكوميديا السوداء؛ فاستقلالية القرار الحوثي هذه يديرها في صنعاء «مجلس جهادي أعلى» يتربع فيه جنرال من «فيلق القدس» الإيراني هو علي رمضاني —كما جلس قبله حسن إيرلو وعبد الرضا شهلائي— بمثابة «مندوب سامٍ» ورجلٍ ثانٍ بعد عبد الملك الحوثي، وإلى جواره معاون عسكري من «حزب الله» اللبناني، بينما يتولى خبراء الحرس الثوري في جبال عمران وصعدة تشغيل منصات الصواريخ الباليستية والمسيّرات لتوجيهها عمداً نحو صالات المعتمرين والمسافرين في مطار الملك خالد الدولي بالرياض!
أما دعاة «الهدن الإنسانية» الذين ينخدعون ببكائيات الحصار، فإن الأرقام الموثقة تضعهم أمام الحقيقة العارية؛
فالحركة التي تتاجر بمعاناة اليمنيين تستقبل السفن يومياً في موانئ الحديدة، وقد بلغت عائدات قطاع الوقود وحده نحو 1.34 تريليون ريال —منها 994 مليار ريال رسوم جمركية— فضلاً عن ملياري دولار سنوياً من النفط المهرّب، ونهب قطاع الاتصالات والضرائب وزكاة «الخُمس» طوعاً أو كرهاً. وبعد أن تسببت، باحتجازها طائرات الخطوط اليمنية، في تدمير مطار صنعاء رافضةً كل المبادرات البديلة، حوّلت تلك التريليونات المنهوبة من أفواه الموظفين إلى وقود لحربها وإحكام حصارها الخانق على المدنيين في تعز.
وهي المفارقة التي لخصها السفير السعودي لدى اليمن محمد آل جابر بدقة حين وصف الذهنية الحوثية بمقولة: «إذا كان تفكيرك مطرقة فسترى كل شيء مسماراً»، متسائلاً: كيف يستقيم أي حديث عن السلام مع حصار تعز، وتعطيل المطار، وإقحام البلاد في صراعات إقليمية؟
ليؤكد في رسالة حاسمة لا تخطئها العين أن «اليمن ليس ملكاً للحوثي، وتعز لن تكون رهينة لمشروعه»، وأن المملكة «ستحمي شعبها وأمنها وأراضيها وسفنها، وستستمر داعماً وسنداً للشعب اليمني وحكومته الشرعية»؛ ما يعني بوضوح أن زمن الرهان على ترويض الفوضى المسلحة قد طُوي، وأن استعادة الدولة اليمنية ضرورة أمنية لا تقبل المساومة.
ولإدراك خطورة وهم «الاعتزال الاستراتيجي» القائل بترك الشمال للحوثيين، يكفي النظر في مثلث العقيدة والتاريخ والجيوسياسة الذي يحكم هذه الجماعة؛
فالأيديولوجيا الجارودية السلالية التي تحرك النواة الصلبة للحوثيين تختلف جذرياً عن التشيع الاثني عشري الانتظاري؛ إنها عقيدة هجومية تشترط «الخروج بالسيف» وتحصر الشرعية في «البطنين»، بل إن الخمينية نفسها استعارت منها ثوريتها الحركية المعبَّر عنها بـ«ولاية الفقيه».
في أرشيف أئمتهم الممتد لأحد عشر قرناً —منذ أن جاء إمامهم المؤسس يحيى الرسي مستعيناً بجيش من طبرستان إيران لقتال قبائل اليمن— لا توجد دولة جوار آمنة، ولا يوجد عهد محترم؛
فالإمام المتوكل إسماعيل بن القاسم ألّف كتاباً فقهياً لتشريع نهب أموال اليمنيين في تعز وعدن بعنوان «إرشاد السامع في جواز أخذ أموال الشوافع»، والإمام المنصور عبد الله بن حمزة نصّ في كتابيه المعتمدين «الشافي» و«المجموع المنصوري» على أن مكة والمدينة «ديار كفر مستعمرة» لا بد لدولة آل البيت من السيطرة عليها، مع إباحته عبر فقه «المحتسب» إكراه القبائل على القتال ومصادرة أموالهم شاءوا أم أبوا.
أما اتفاقيات السلام والهدن، فليست في تراثهم سوى «تقية سياسية» لالتقاط الأنفاس والغدر بالخصوم، كما فعل عبد الله بن حمزة حين صالح فرقة «المطرفية» وأعطاهم الأمان ثم ذبحهم وباع نساءهم، محتجاً بأن قدوته «الهادي الرسي» سبقه حين عاهد زعماء قبائل آل يعفر وآل طريف ثم استدرجهم إلى داره وقتلهم؛ وهو ما جعل قاضي قضاة اليمن العلامة الشوكاني يدمغ سلوكهم بقاعدته الشهيرة: «كل ما يظهرونه من المودة والمهادنة فهي تقية يذهب أثرها بمجرد أن تلوح الفرصة».
هذا الموروث الدموي لم يبقَ حبيس كتب التراث، بل التقطته الحوزة الإيرانية وحوّلته إلى «عقيدة عسكرية عملياتية»؛
فمنظّر الحوزة علي الكوراني العاملي، الذي زار صعدة والتقى بدر الدين الحوثي مبكراً في التسعينيات لترتيب خطط «التقية والتمكين»، يقرر في كتابيه «عصر الظهور» و«اليمانيون قادمون» أن دور «راية اليماني» هو جعل اليمن معسكر تحشيد بشري من «أولي البأس الشديد» للزحف نحو الحجاز وبلاد الخليج والعراق، وهو ما ترجمه النائب الإيراني المقرب من خامنئي علي رضا زاكاني حرفياً فور سقوط صنعاء بإعلانه أن «العاصمة العربية الرابعة التحقت بالثورة الإيرانية، وأن الثورة اليمنية ستمتد عبر الحدود الواسعة إلى العمق السعودي»!
الأخطر من ذلك، أنه إذا نجح الحوثي في تثبيت سلطته في الشمال دون تحطيم شوكته العسكرية، فإنه لن يتحول إلى جار مسالم، بل سيعيد تسخير وتجنيد الكتلة السكانية الكبرى في الشمال، وتشكيل وعي الناشئة على عقيدة غزو المملكة العربية السعودية؛ وقد بدأ ذلك فعلاً في المديريات التي استولى عليها منذ سبتمبر الماضي في الحديدة وتعز، ولا يحتاج إثبات ذلك إلى عناء البحث، فمناهجه وما تبثه قناته الرسمية يومياً يطفح بهذا التحشيد.
وفوق ذلك، سيغدو الحوثي «نموذجاً ملهماً» وقاعدة إسناد وتمويل لكل الخلايا الراديكالية والسلالية الكامنة من الخليج إلى القرن الأفريقي، وصولاً إلى مصر التي تنظر إليها الأبجديات الإيرانية تاريخياً باعتبارها «الجائزة الكبرى» والمخزون الديموغرافي الأهم القابل للاختراق الناعم عبر دغدغة العاطفة الدينية وحب آل البيت؛ إذ تراهن طهران على تسويق الحوثي في الوعي العربي كـ«بطل مظفر» يتحدى القوى الكبرى، لتفجير الدول الوطنية من داخلها.وعندها ستصبح 12% من تجارة العالم، ومعها كابلات الإنترنت البحرية التي تربط القارات في قاع باب المندب —كما تفاخر بذلك مؤخراً الخبير العسكري اللبناني المقرب من حزب الله علي أبي رعد— رهينةً بيد جنرالات الحرس الثوري في صنعاء.
من هنا تحديداً، تكتسب الوقفة الحاسمة للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إلى جانب المملكة العربية السعودية قيمتها التاريخية؛
فلن يكون هناك رادع لمسلسل الانقلابات الإيرانية إلا بتلاقي القوتين الكبريين: الرياض والقاهرة. وفي هذه اللحظة الفاصلة، فإن البرلمان المصري وهو يتعامل مع طلب التفويض المقدم من الرئيس السيسي لإرسال قوات خارج الحدود، لا يناقش في الحقيقة مهمة تضامن أخوي مع السعودية فحسب، بل يمارس واجب الدفاع المسبق والمباشر عن شريان مصر الحيوي في قناة السويس، وعن أمنها القومي الفكري والاقتصادي الذي استنزفته بلطجة الحوثي في البحر الأحمر؛ فالدفاع عن السويس والقاهرة يبدأ من كسر الكماشة الإيرانية في باب المندب، وأي تردد في إمضاء هذا القرار تحت وهم إمهال الدبلوماسية هو خصم مباشر من رصيد الردع المصري والعربي.
إن هزيمة الحوثي عسكرياً ليست مستحيلة كما يروج المنهزمون؛ فالمعارك الضارية في تعز أثبتت طوال ثمانية وأربعين يوماً أن الجماعة التي تقاتل بـ«الأنساق البشرية» تغرق اليوم بين التباب والشعاب في محارق استنزافٍ قاتلة، وأن تحريك الجبهات من أبواب متعددة نحو صنعاء ضمن عملية «فجر اليمن»، تحت غطاء جوي كثيف يحيّد منصات الصواريخ ويقطع خطوط الإمداد، كفيلٌ بإسقاط هذا الهجين العسكري من الداخل.
التاريخ والجغرافيا يقولان كلمة واحدة: عندما يكون عقل خصمك «مطرقة» لا ترى في الوطن والجيران سوى مسامير، فلا تذهب إليه بورقة مفاوضات.. بل حطّم مطرقته أولاً!
@SameerAlyosofi