إلى تعز اليمنية...
في قرية العدن بجبل صبر، لم تكن المأساة في أن امرأة فقدت زوجها وابنتها في يوم واحد فحسب، وإنما في أن الطريق إلى نجدة الضحايا نفسه أصبح جزءا من المأساة.
في العشرين من أكتوبر 2026، قُتِلَ محمد قاسم علي عبدالله النقيب، البالغ من العمر خمسة وستين عاما، وقُتلت ابنته مُشيرة، البالغة خمسة وثلاثين عاما، في قصف نسبته مصادر محلية وحقوقية إلى الحوثيين... الذين لم يُنكرونها أصلا .. بل ويعتبرونها نصرا وإنجازا ..
وتحدثت تقارير إعلامية عن استهداف سيارة الإسعاف التي وصلت لانتشال الضحايا....
ثم ظهر المشهد الذي ينبغي أن يظل شاهدا على ما آلت إليه حياة المدنيين في تعز:
أُمّ تحمل جثمان ابنتها على ظهرها، وتسير بين الصخور والمُنحدرات الجبلية، بعدما فقدت في يوم واحد زوجها وابنتها.
حين تصبح سيارة الإسعاف هدفا، لا يعود السؤال من الذي سينقذ الجريح وحده، وإنما من الذي سينقذ فكرة النجدة نفسها؟
ذلك أن الحرب، مهما بلغت قسوتها، تظل محكومة بحد أدنى من الواجبات الإنسانية. فحتى في ساحات القتال، يفترض أن تبقى للجرحى وسائل إنقاذ، وللمدنيين حماية، وللطواقم الطبية حرمة....
أما حين تمتد الاعتداءات إلى وسائل الإسعاف، فإن الضرر يتجاوز الضحايا المباشرين إلى كل إنسان قد يحتاج إليها غدا.
وهنا تتكشف مأساة هذه الأم....
فقد اضطرت إلى أن تكون الوسيلة التي تنقل ابنتها بعدما عجزت وسائل النجدة عن الوصول إليها بأمان.
والأشد إيلاما أن الابنة كانت قد بلغت الخامسة والثلاثين، وأن العمر الذي يفترض أن تصبح فيه سندا لأمها انتهى والأم تحملها من جديد....
لكنها هذه المرة تحمل جسدا لن ينهض....
في تعز، تحمل هذه الصورة سؤالا أكبر من حدود قرية العدن...
كيف يمكن لمدينة أن تستعيد حياتها بينما تبقى طرقها ومنازلها ومرافقها الصحية عرضة لأخطار القصف الهمجي والرصاص الغادر من قبل جماعة إرهابية مُسلحة خارجة عن القانون؟
وكيف يمكن الحديث عن كرامة الإنسان حين تصبح أبسط حاجاته، من الوصول إلى المستشفى إلى نقل جثمان قريب، رهينة للسلاح؟
إن المسؤولية عن مقتل مشيرة ووالدها، وعن الاعتداء المُبلّغ عنه على سيارة الإسعاف، تستوجب تحقيقا مستقلا ومساءلة تستند إلى الأدلة....
ولا يجوز أن يحجب تكرار المآسي حق كل ضحية في أن تعرف الحقيقة عن موتها.
لقد أمضت مشيرة، بحسب التقارير، جانبا من حياتها في تعليم القرآن الكريم....
وفي هذا التفصيل مفارقة موجعة:
امرأة تُعلّم الناس كلام الله، ثم تفقد حياتها في بلد تتزاحم فيه الشعارات الدينية مع مشاهد الدم والخراب....
لا يحتاج الدفاع عن حرمة دمها إلى معرفة انتمائها أو موقفها السياسي أو هوية الجماعة التي قتلتها....
يكفي أنها إنسان....
ويكفي أن لها أُمّا...
أما تلك المرأة التي انحنى ظهرها تحت الجثمان، فلا أريد أن أصفها بالبطلة، لأن البطولة توحي أحيانا بوجود اختيار....
وأي اختيار كان أمامها؟
لقد كانت تحاول أن تفعل آخر ما تستطيع فعله لابنتها، بعدما سلبها الموت كل فرصة أخرى لحمايتها.
إن أفدح ما في هذه الصورة أن الأمومة بقيت تؤدي واجبها حتى بعدما عجزت الحياة عن أداء واجبها تجاه الابنة.
ولهذا ينبغي أن تحفظ تعز أسماء ضحاياها، وأن يكون لحقوقهم مكان في أي تسوية تنهي الحرب.
فلا قيمة لسلام يكتفي بإسكات المدافع، ويترك المدنيين دون حماية، والضحايا دون إنصاف، والطرقات دون أمان.
يا أم مشيرة..
ما كان ينبغي أن تكون كتفاك بديلا عن سيارة إسعاف، ولا أن تتحول سنوات أمومتك إلى هذا الطريق الجبلي القاسي....
سيأتي يوم تعبر فيه تعز من الحرب والحصار إلى الحرية والحياة، وأرجو أن يكون أول ما تستعيده حق الأمهات في أن يسبقن أبناءهن إلى الشيخوخة، لا أن يسبقهن أبناؤهن إلى القبور...
رحم الله مشيرة ووالدها، ورحم كل ضحايا تعز وسائر المدن والقرى اليمنية التي امتدت إليها يد الحرب والخراب، وعبثت بأمنها ومصائر أهلها جماعة الحوثي، وما ارتبط بمشروع إيران الدموي من تدخلات وصراعات.
رحم الله من غادروا الحياة قبل أن يروا وطنهم معافى، وجَبَر قلوب الأمهات اللواتي دفن بعضهن أبنائهنّ، وبقي بعضهن أحياء يحملن من الحزن ما تعجز الجبال عن حمله.
وحفظ الله اليمن، أرضا وإنسانا وتاريخا، وأعاده سعيدا بأبنائه وشرفائه، عزيزا بسيادته، آمنا في مدنه وقراه، حرا من سطوة السلاح وهيمنة المشاريع الخارجية.
اللهم أعد اليمن كما ينبغي له أن يكون؛ وطنا لا تحمل فيه الأمهات أبناءهن إلى القبور، ولا يرث فيه الأطفال أحزان آبائهم، ولا تكون فيه كرامة الإنسان رهينة بندقية، بل بلدا تعود إليه الحياة، ويسترد أهله حقهم في الأمن والعدل والعيش الكريم.