أربع محطات رئيسية من التراخي: كيف صنعت واشنطن مأزقها مع الحوثيين؟

  • كتب / سمير رشاد اليوسفي
  • منذ ساعة

١. محطة «موفنبيك» وسقوط صنعاء (2011–2014)
٢. «الخطوط الحمراء» على مشارف العاصمة (2015–2016)
٣. خطيئة ستوكهولم وإنقاذ الشريان البحري (2018)
٤. خيمة «العُلا» واعترافات ماكغورك (2021–2024)
٥. وهم «الصفقة البحرية» واستحقاق الحسم

(أربع محطات من التراخي الأميركي.. كيف أدى «الإنقاذ الغربي» إلى تحويل الميليشيا إلى تهديد عالمي؟)

المدقق في سلسلة المقاطع المرئية التي دأب القائم بأعمال السفارة الأميركية لدى اليمن، نيل هوب، على بثها خلال شهر أكتوبر الجاري، يلاحظ تحولاً لافتاً في لغة الدبلوماسية الأميركية. فالرجل خرج من رتابة البيانات الرسمية الجافة ليخاطب اليمنيين مباشرة، وبمفردات تلامس يومياتهم، عن مأساة تهجير أكثر من مئتي ألف مواطن منذ سبتمبر الماضي، وتجريف القطاع الخاص بالجبايات، وتفخيخ عقول الأطفال في «المراكز الصيفية» للزجّ بهم في محارق الجبهات، وصولاً إلى التذكير الصريح بارتهان جماعة الحوثي لأجندة الحرس الثوري الإيراني في المنطقة.

من حيث المبدأ، يصعب الاختلاف مع حرف واحد مما يقوله الدبلوماسي الأميركي؛ فمواجهة جماعة أيديولوجية مغلقة تبدأ بتفكيك سرديتها في الوعي العام. غير أن المفارقة تكمن في التوقيت؛ إذ يبدو ممثل واشنطن في خريف 2026 وكأنه يعلن اكتشاف البارود بعد خمسة عشر عاماً من انفجاره في وجوه الجميع. فالحقائق التي يعرضها نيل هوب اليوم أمام الكاميرا هي ذاتها التي طالما وضعتها الرياض والقوى الوطنية اليمنية على طاولة البيت الأبيض منذ عام 2011، لكن الإدارات الأميركية المتعاقبة آثرت تجاهلها، محكومةً بـ«عمى ألوان استراتيجي» جعلها تتعامل مع ميليشيا ترفع شعار «الموت لأميركا» بوصفها شريكاً سياسياً محتملاً تارة، أو مشكلة محلية تخص جيران اليمن وحدهم تارة أخرى.

ولفهم كيف تحول عبد الملك الحوثي — من مخبئه السري في شبكة كهوف جبال صعدة، حاملاً أيديولوجيا يصفها الباحث محمد الباشا في «فايننشال تايمز» بأنها مزيج من الزيدية والجهادية وسرية «الإخوان المسلمين» — من زعيم متمردين قبليين يفضلون الصنادل المفتوحة على الأحذية العسكرية، إلى خطر يربك 22 في المئة من تجارة الحاويات العالمية عبر مضيق باب المندب؛ لا بد من فتح السجل الكامل لـ«متلازمة الإنقاذ الغربي للحوثيين» عبر أربع محطات موثقة.

تلتقي هذه المحطات كلها عند حقيقة واحدة لخصها المفكر الكويتي عبد الله النفيسي في تغريدة على منصة «إكس» في 22 أكتوبر الجاري بقوله إن كل مسار سياسي مع الحوثي — من جنيف 2015 إلى الكويت 2016 فالسويد 2018 — لم يكن سوى استراحة محارب أتاحت للجماعة إعادة بناء نفسها لمعاودة الاعتداء.

١. محطة «موفنبيك» وسقوط صنعاء (2011–2014)

تشكّلت المحطة الأولى بين عامي 2011 و2014؛ ففي أعقاب الانتفاضة التي أطاحت بالرئيس الراحل علي عبد الله صالح، انشغلت الدبلوماسية الغربية برعاية مؤتمر الحوار الوطني في فندق «موفنبيك» بصنعاء، متعاملةً مع ممثلي الحوثي ذوي البدلات الأنيقة بوصفهم «حركة شبابية وأقلية مظلومة»، في حين كانت بنادق الجماعة تبتلع المحافظات الشمالية تباعاً وتدير «مخيماتها الصيفية» لاستقطاب المقاتلين.

وكما يوثق الصحافي الأميركي بن هبرد في كتابه (صعود محمد بن سلمان إلى السلطة)، فقد أبلغ المسؤولون السعوديون نظراءهم الأميركيين، في الفترة التي سبقت سقوط صنعاء أواخر عام 2014، بمخاوفهم من قيام الحوثيين بتشكيل ترسانة صواريخ تهدد أمن المملكة. لكن إدارة باراك أوباما، التي كانت تتهيأ لتوقيع الاتفاق النووي مع إيران عام 2015 وتراود بعض دوائرها أوهام توظيف الحوثيين لموازنة تنظيم «القاعدة»، غضّت الطرف حتى اجتاح المسلحون العاصمة واستولوا على المخزونات العسكرية اليمنية، وكثفوا فوراً رحلاتهم الجوية المنتظمة إلى طهران. وحين تدخل التحالف بقيادة السعودية في مارس 2015 لإنقاذ الدولة اليمنية، اكتفت إدارة أوباما بدعم محدود انتهى بها، بحسب توصيف هبرد الدقيق، إلى «عدم المشاركة بما يكفي لتوجيه الحملة، ولكن بما يكفي لتقاسم اللوم على أخطائها».

٢. «الخطوط الحمراء» على مشارف العاصمة (2015–2016)

أما المحطة الثانية، فبدأت بضغوط مفاوضات «جنيف» عام 2015، ثم بلغت ذروتها في عام 2016 حين استعادت القوات الحكومية اليمنية بدعم التحالف زمام المبادرة، ووصلت طلائعها إلى جبال «نِهم» المشرفة على مشارف صنعاء. يومها، تحركت الآلة الدبلوماسية الغربية عبر مفاوضات «الكويت»، وتدخل وزير الخارجية الأميركي الأسبق جون كيري شخصياً ليرسم «خطوطاً حمراء» حالت دون اقتحام العاصمة، دافعاً في أواخر ذلك العام بمبادرته الشهيرة في مسقط التي منحت الانقلابيين الوقت الكافي لالتقاط الأنفاس وتحصين الجبهات.

٣. خطيئة ستوكهولم وإنقاذ الشريان البحري (2018)

ثم تكررت الخطيئة ذاتها بصورة أكثر فداحة في المحطة الثالثة عام 2018 على أسوار مدينة الحديدة؛ فحين أطبق التحالف والقوات اليمنية المشتركة الحصار على الميناء الاستراتيجي، تدخلت العواصم الغربية بضغوط هائلة أفضت إلى «اتفاق ستوكهولم» في السويد.

وكما يشخص المحلل السعودي علي الشهابي في مقاله على موقع «فوكس نيوز» (9 أكتوبر 2026)، فإن إيقاف معركة الحديدة تحت ذرائع إنسانية من دون فرض تسوية سياسية قابلة للتنفيذ كان كارثياً من الناحية الاستراتيجية؛ إذ أنقذ الحوثيين في لحظة انكسار عسكري نادر، وأبقى شريان حياتهم الاقتصادي والتسليحي مفتوحاً على البحر الأحمر لتدفق الصواريخ والمسيّرات الإيرانية.

٤. خيمة «العُلا» واعترافات ماكغورك (2021–2024)

غير أن الذروة الدرامية لهذا التراخي الأميركي تجسدت في المحطة الرابعة مطلع عام 2021، والتي يروي تفاصيلها من داخل الغرف المغلقة بريت ماكغورك، منسق الشرق الأوسط في إدارة جو بايدن، في الفصل الأول من مذكراته (Brink). يذكر ماكغورك كيف استدعاه بايدن إلى المكتب البيضاوي في الثاني والعشرين من يناير 2021 — في يومه الثاني الكامل بالرئاسة — وكلاهما يتحدث بصوت مكتوم خلف كمامة «إن 95»، ليكلفه بالسفر سراً إلى السعودية لإبلاغ قيادتها بقرارات الإدارة الجديدة: وقف مبيعات الأسلحة «الهجومية»، ورفع الحوثيين من قائمة المنظمات الإرهابية الأجنبية التي أدرجهم فيها دونالد ترامب قبل أيام من مغادرته.

ومن اللطائف التي يوردها ماكغورك أنه حين عُرضت عليه الوظيفة قال لفريق بايدن: «أي شيء إلا الشرق الأوسط»! وهو زهدٌ مفاجئ يثير الابتسام لمن يتذكر أن الرجل نفسه لم يكن يجد الشرق الأوسط مكاناً كئيباً إلى هذا الحد عام 2008 حين كان كبير مفاوضي الاتفاقية الأمنية في بغداد، قبل أن يواجه ترشيحه لمنصب السفير هناك مساءلة عاصفة في مجلس الشيوخ الأميركي في يونيو 2012 — وفق الوثيقة المسربة من بريد هيلاري كلينتون بعنوان «للأسف صار الأمر خبراً الآن» — إثر انكشاف رسائل إلكترونية حميمة جمعته بمراسلة صحيفة «وول ستريت جورنال» جينا شون، وسط مزاعم بتصويره في فعل جنسي فاضح مع امرأة أخرى على سطح القصر الجمهوري لصدام حسين وسط بغداد.

حمل ماكغورك هذا الإرث الدبلوماسي العريض، وهبط في السادس والعشرين من يناير 2021 في واحة «العُلا» ليلتقي ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان داخل خيمة صحراوية في طقس قارس البرودة. وهناك، سجل ماكغورك في كتابه اعترافاً يدين قرارات رئيسه قبل أي طرف آخر؛ إذ أقرّ بأن: «إضعاف جانب واحد فقط من أطراف صراع مستمر لن ينتج سلاماً أو استقراراً، بل سيؤدي ببساطة إلى تحويل ميزان الأفضلية لصالح الحوثيين، وهم قوة معادية مسلحة بصواريخ وطائرات مسيّرة إيرانية وتسيطر على الوصول إلى البحر الأحمر». ومع أن بايدن سحب كمامته نحو أذنه في المكتب البيضاوي ليؤكد لماكغورك أن هدفه ليس تحويل السعودية إلى «ميدان رماية» للحوثيين، فإن سياسته طبّقت هذا المفهوم بحذافيره.

في خيمة العُلا، وضع الأمير محمد بن سلمان المبعوث الأميركي أمام منطق عسكري صلب عجزت بلاغة واشنطن عن نقضه حين سأله: «كيف ستميزون بين الذخائر الهجومية والدفاعية؟ إن السلاح الذي يدمر صاروخاً وهو على الأرض أكثر فاعلية، وليس أقل هجومية، من السلاح الذي يعترض الصاروخ في الجو». وحذّر ولي العهد ضيفه من أن المنطقة تتحرك بسرعة ولا تملك ترف انتظار «ستة أشهر» ريثما ترتب واشنطن بيتها الداخلي، منبهاً إلى أن هذا النهج سيشجع إيران بطريقة خطرة.

لم تستمع واشنطن للتحذير، فجاء الرد الحوثي سريعاً بشنّ هجوم واسع على مأرب ومضاعفة قصف المدن والمنشآت المدنية في السعودية، وصولاً إلى استهداف أبوظبي في مطلع عام 2022؛ الأمر الذي اضطر ماكغورك نفسه، بعد عام واحد بالتمام والكمال على لقاء العُلا (في 27 يناير 2022)، إلى الخروج علناً في ندوة بمعهد «كارنيغي» ليبرئ ساحة الرياض، مؤكداً أن السعودية دعمت مبادرات الأمم المتحدة لإنهاء الحرب بينما ردّ الحوثيون بالتصعيد العسكري، ومكتشفاً بعد فوات الأوان أن «الأمر يتطلب طرفين لوقف إطلاق النار، والمسؤولية تقع الآن على عاتق الحوثيين»!

والأطرف من ذلك كله هو ما كشفته صحيفتا «نيويورك تايمز» و«فايننشال تايمز» عن رحلة ماكغورك السرية إلى العاصمة العمانية مسقط في العاشر من يناير 2024؛ حيث جلس في غرفة منفصلة يتبادل الرسائل عبر الوسطاء العمانيين مع نائب وزير الخارجية الإيراني علي باقري كاني، مطالباً طهران بالضغط على الحوثيين لوقف هجماتهم في البحر الأحمر. يومها تملّص الوفد الإيراني من المسؤولية المباشرة مشترطاً وقف إطلاق النار في غزة أولاً، قبل أن يخرج مسؤول إيراني عبر «فايننشال تايمز» ليبرر ذلك بوجه جاد قائلاً إن طهران لا تملك سلطة إملاء الأوامر على الحوثيين، بل تتمتع فقط بـ«تأثير روحي» عليهم! ورغم أن واشنطن شنت ضرباتها العسكرية في اليوم التالي لمغادرة ماكغورك مسقط، فإن عشرات الغارات الأميركية عجزت عن ردع هذا «التأثير الروحي» العابر للحدود، والذي يبدو أنه أول نفحة صوفية في التاريخ الحديث تتجسد على هيئة صواريخ باليستية متوسطة المدى، وطائرات مسيّرة، وإحداثيات استخباراتية، وشبكات تسليح وتخادم تكتيكي مع حركة «الشباب» المرتبطة بتنظيم «القاعدة» في الصومال على الضفة المقابلة من خليج عدن.

٥. وهم «الصفقة البحرية» واستحقاق الحسم

اليوم، وقد قرر عبد الملك الحوثي منذ يوليو الماضي المجازفة بإشعال الحرب مجدداً وإنهاء هدنة 2022 عبر حصار الموانئ ومهاجمة الناقلات ومنشآت النفط السعودية والتمدد على ساحل البحر الأحمر، تجد المنطقة نفسها أمام استحقاق تاريخي لا يقبل التأجيل. فالتهديد الحوثي في باب المندب لم يعد مجرد ورقة ابتزاز محلية، بل بات يستهدف تحييد القيمة الاستراتيجية لـ«خط أنابيب الشرق–الغرب» السعودي الممتد إلى ينبع على البحر الأحمر، ما يمنح إيران وحلفاءها قدرة الضغط المزدوج على شرايين الطاقة العالمية في مضيقي هرمز وباب المندب معاً.

ومع ذلك، لا يزال بعض منظّري واشنطن — مثل ستيفن كوك في مقال نشرته مجلة «فورين بوليسي» مطلع أغسطس الماضي — يلومون الرياض لأنها قصفت في الثالث عشر من يوليو مدرج مطار صنعاء لمنع هبوط طائرة «ماهان إير» التابعة للحرس الثوري، والتي كانت تقل وفداً حوثياً عائداً من جنازة آية الله علي خامنئي الذي قُتل في غارة أميركية–إسرائيلية في فبراير الماضي؛ إذ يرى كوك أنه حتى لو كان الوفد يحمل معه «أكثر من مجرد الفستق والسجاد»، فقد كان الأجدر بالسعوديين غضّ الطرف والسماح للطائرة بالهبوط! بل يذهب كوك إلى التحسر على أن السعودية «تواجه الحوثيين بمفردها» بعد أن حسمت منذ أواخر ديسمبر الماضي الفوضى في المحافظات الجنوبية ورفضت مشاريع تقسيم اليمن أو الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال؛ وكأن المطلوب من الرياض أن تفرّط في وحدة جوارها الجغرافي وأمنها القومي كي تحظى برضا مراكز الأبحاث في واشنطن.

ولعل الوهم الأكبر الذي يعشّش في بعض العواصم الغربية هو إمكانية الاكتفاء بتسويات سطحية أو «صفقة بحرية فوقية» تضمن سلامة الملاحة في باب المندب وتترك «اللص المستقر» في صنعاء متربعاً على اقتصاد حرب موازٍ ومسلحاً حتى العظم. فتجربة تعطيل صادرات النفط اليمني من موانئ الضبة والنشيمة على بحر العرب أثبتت أن بضع مسيّرات وتهديد ناقلة واحدة تكفي لتبخير نحو 43 في المئة من إيرادات الدولة الشرعية — بتقدير فريق خبراء الأمم المتحدة — وحرمانها من رواتب مواطنيها، دون الحاجة إلى تدمير المنشآت نفسها. ومن هنا يتبين أن أي مسار يفصل بين تأمين الممرات البحرية واجتثاث الترسانة الصاروخية والمسيّرة لهذا الكائن الهجين، ليس سوى إعادة تدوير للفشل، ووصفة مؤكدة لانفجار قادم.

إن الزخم الميداني الأخير الذي حققته القوات الحكومية اليمنية مسنودةً بالقوة الجوية السعودية في طرد الحوثيين من مناطق استراتيجية بمحيط باب المندب وتقويض بنيتهم العسكرية، يثبت أن الحسم ممكن متى ما توفرت الإرادة وغابت «الخطوط الحمراء» الغربية المعطِّلة. أما مقاطع الفيديو التوعوية التي يبثها نيل هوب، فعلى فائدتها في معركة العلاقات العامة، لن توقف منصة إطلاق صواريخ متحركة تطلق النار وتختفي في غضون دقائق.

لقد دفعت دول الخليج طويلاً ضريبة التقصير القديم في الملف اليمني، وضريبة الوثوق بالمسارات الدبلوماسية السرابية من «موفنبيك» إلى «جنيف» و«الكويت» و«ستوكهولم» و«العُلا»؛ ولم يعد أمام الرياض والحكومة اليمنية اليوم — سواء شاركت واشنطن بفاعلية في حلقة الاستهداف الجوي أم اكتفت بالتفرج الحسابي قبيل انتخابات التجديد النصفي — سوى المضيّ في طريق الحسم واستعادة الدولة من صنعاء وتعز إلى صعدة، دون استيحاشٍ للطريق أو التفاتٍ إلى نصائح الذين كلما أوشك الحوثي على السقوط، رموا له طوق نجاة باسم «السلام»!

ذات صلة