مخيمات النزوح بتعز.. أطفال لا يعرفون ألوان الأقلام ولا رائحة الدفاتر!

  • تعز، الساحل الغربي، عبدالصمد القاضي والتميمي محمد:
  • 08:18 2021/09/05

●  "المخيم صغير ولا يكفي لممارسة حياة"
●  "الحمل خارج الرحم مصيره الإجهاض"!
●  "ما يعرف كيف مخيم النزوح إلا من عاش فيها"
 
منذ اختطاف مليشيا الحوثي للمواطن أحمد عبيد من منزله في مديرية المسراخ (وسط محافظة تعز) في 2016، وتهجير أسرته وتفجير منزله، تعيش أسرته المكونة من 3 أطفال وأمهم، في وضع مأساوي، بحثًا عن أبسط مقومات الحياة والاستقرار، متنقلة بين مخيمات النزوح في ريف المدينة، لتستقر مؤخرًا في مخيم الملك بمنطقة البيرين في مديرية المعافر، لكن معاناتها لم تنته، بل تزداد سوءًا، خصوصًا في ظل حرمانهم من التعليم.
 
"نعيش بلا حياة" بهذه الكلمات اختزلت نور محمد، وضعها وأطفالها في مخيم الملك، في حديثها لـ"لساحل الغربي".
 
تعيش نور وأطفالها الثلاثة، الذي يبلغ عمر أكبرهم (15 عاماً) وأصغرهم لم يتجاوز عامه السادس، في مأوى صغير يفتقر لأبسط مقومات الحياة، فلا تتوافر فيه مياه صالحة للشرب، ولا مطبخ لطهو الطعام، فضلًا عن حرارة الشمس المحرقة، وسيول الأمطار التي كلما هطلت تحول المأوى إلى ما يشبه البحيرة.
 
"ألحمل خارج الرحم"
 
الطفل أحمد، انقطع عن مدرسته وهو في الصف الرابع بعد اختطاف مليشيا الحوثي والده، وهجرته مع إخوته ووالدتهم، وفجرت منزلهم، لتلقي به الحرب في مخيمات النزوح، التي لم يتعلم منها سوى الكفاح في سبيل لقمة العيش.
 
 
فهو يعمل أحيانًا في بيع بعض المواد للمارة في قارعة الطريق، لتوفير بعض تكاليف المعيشة لأسرته، بينما أخواه لم يتعديا سور المدرسة ويبقى التحاقهما بالمدرسة حلما عالقا في أذهانهما. 
تقول نور: "المخيم صغير ولا يكفي لممارسة حياة أسرة، المطبخ خارج المخيم، نطبخ كل الوجبات في العراء، أما المياه فنادرًا ما نحصل على ماء صالح للشرب".
 
"الحمل خارج الرحم مصيره الإجهاض" هكذا وصفت نور مستقبل أطفالها وهم يكبرون خارج سور المدرسة بدون تعليم، بسبب بُعد المدارس عن المخيم وعدم توافر تكاليف الدراسة والمواصلات.
 
 
مضيفةً "نعيش في بيئة غير صالحة لتربية الأطفال، لا مدارس لا مراكز تعليمية، أطفالي يكبرون ولم يعرفوا ألوان الأقلام ولا رائحة الطباشير، كل شيء مجرد حلم يشيخ أمام أعينهم.. المدارس بعيدة عن مخيمات النزوح وتكاليف العيش باهظة، ونحن لا نستطيع توفير متطلبات العيش، فكيف بتكاليف التعليم!". 
 
بدون مدارس
 
بصوت ثقيل يحمل كل همومها الراهنة، ومصير أطفالها في المستقبل، تتساءل نور "لا فائدة من تراكم السنوات وهم خارج المدرسة، البيئة الأولى لتنشئة الطفل، ثلاثة أطفال من أسرة واحدة يهددهم شبح المستقبل، لا يعرفون القراءة والكتابة في عصر التطور المتسارع لتكنولوجيا تجاوزتها المجتمعات البدائية والعالم الثالث، إلى أين يذهبون والعلم يحاصرهم من كل الاتجاهات، وهم في حضيض الجهل".
 
الحاجة سعاد
 
سعاد أحمد (61 عامًا)، عجوز في أرذل العمر تعيل 8 أطفال من أحفادها، نزحت أسرهم من مديرية الوازعية (غربي محافظة تعز)، مطلع العام 2017، بسبب حرب المليشيا حينها، فانقطعت سبل العودة إلى منازلهم وغابوا عن المدرسة إلى الأبد وهم في المرحلة الأساسية.
 
 
"ما يعرف كيف مخيم النزوح إلا من عاش فيها" بهذه العبارات الأشبه بحكمة مأثورة، اختصرت الحجة سعاد، فصول المعاناة التي تعيشها مع النزوح، وهي ترى أحفادها يعشيون في العراء لا عمل يقومون به ليساعدهم على العيش سوى القليل من المساعدات الإنسانية، ولا مكان لتعليم الأطفال ولعبهم وممارسة طفولتهم وطقوسها.
 
طفولة مهدورة
 
الناشطة في المجال الإنساني نسيم العديني، تقول إن النازحين في مخيمات ريف تعز، وفق الإحصائيات يتجاوز عددهم (1500) أسرة، معظمهم أطفال، حيث يبلغ عددهم (1000-1500) طفل تقريباً في كل مخيم للنازحين بمديرية المعافر والكدحة والبيرين والخيامي.
 
مشيرةً أن هذا العدد يشكل الأجيال القادمة، جميعهم بلا مستقبل تعليمي، وهو ما يرفع نسبة الأمية بشكل غير متوقع.
 
 
تضيف العديني، إن العدد الكبير للأطفال في مخيمات النزوح بمحافظة تعز قد يشكل خطرًا في المستقبل، ناهيك عن الإحصائيات في مختلف المديريات وأسباب التسرب من صفوف المدارس، جراء ما تعرضت له المدارس من قصف وتفجير من قبل مليشيا الحوثي، وتجهيل المجتمع وحرمان أبنائه من الالتحاق بالمدارس، تعتبر من الجرائم ونوعا من أنواع الحرب على المجتمع، لا سيما بعدما أصبح كل ما يحلم به الأطفال وآباؤهم في مخيمات التشرد قليلاً من الخبز والماء والدواء.
 
 
"هؤلاء النازحون بحاجة ماسة لمخيم تعليمي يرعى أطفالهم، وإعادة إعداد وتنشئة هؤلاء الأطفال، ورغم مناشدة الأهالي والنازحين لمكتب التربية بالمحافظة، لإنقاذ مئات الأطفال من شبح الجهل والتخلف، يجد نفسه عاجزاً عن الاستجابة لمطالبهم الإنسانية لأسباب لم يذكرها المكتب"، بحسب العديني.
 
كيف سيكون مستقبل هؤلاء الأطفال؟ وهم لم يعرفوا في طفولتهم سوى الرصاص والبندقية والتشرد، أخذت الحرب أهم مراحل أعمارهم، وأصبح حق اللعب وحق الطفولة لديهم كغيرهم من أطفال العالم مجرد حلم في فوهات البندقية، أصغرهم يحلم ببزة عسكرية وبندقية، وأكبرهم تخلى عن طفولته ليحمل تكاليف الحياة لأسرته..!

ذات صلة