ملف (4)- ثالث ضحايا قناصة الحوثي بتعز.. قصة الناجي من 6 رصاصات في جولة القصر

  • تعز، الساحل الغربي، ضيف الله الصوفي:
  • 10:10 2021/10/23

"خضار، ثلج، وأكل لأولادي.. رحت شقيت عشان أجيب لهم يأكلوا، لكن القناص منعني من الوصول". قناص لا يعطي أي اعتبار للأبوة
العابر إلى الموت.. ومنه : في جولة القصر.. قنّاص لا يستثني أحداً!
 
   ... أن تعيش في منطقة يترأسها قناص قادر على قتلك في أي لحظة، المُسيطر الوحيد على روحك وعلى كل شيء حي بجوارك.. عندها يجب عليك أن تعبر الطريق من وإلى منزلك بخوف، والكثير من القلق.. ستخطو بسرعة الريح كلصٍ فرَّ مِن عملية سرقة عُظمى، كأنّ ما تقصده ليس دارك الذي تعمل وتكد لأجل من فيه..
 
ستركض وأنت تحمل كيساً من الطعام تُقدمه لأطفالك بعد يوم ثقيل مررت به.. حينها ستجد نفسك وسط طلقات غادرة، لن تتعاطف معك على الإطلاق، بل ستخترق كل ما يقف بينها وبينك لتستقر في جسدك وتضع بصمتها عليه.. إن مُتّ دُفنت معك، وإن نجوت من غدرها وعشت تدفنك كل يوم عند رؤيتك ما خطّته عليك.
 
"خضار، ثلج، وأكل لأولادي.. رحت شقيت ورجعت عشان أجيب لهم يأكلوا، لكن القناص منعني من الوصول". قناص لا يعطي أي اعتبار للأبوة، لذلك الحنان الذي يجعل الأب يشقى كي يُطعم أطفاله.. لقد جعل القناص مُبارك نعمان فريسته التي ظل يُلاحقها برصاصة تلو أخرى بهدف القضاء عليها.. أجبره على ترك كل ما بيده باحثاً عن النجاة، والخلاص من الخطر، ومن رُعب الفكرة التي تُرسم له بأن يبقى أطفاله جياعا للأبد.. موت على قيد الحياة.
 
     | يقول للساحل الغربي: "أفكر.. لو أن أحد مسلحي نقطة الحوثي منعني من العبور في تلك اليوم.. أو لو أن القناص لم يصبني، واستطعت الفرار من رصاصاته.. بل لو أن الحرب لم تحصل من الأساس ولم تنزل الميليشيا إلى تعز.. أكيد كنا سنكون بخير". |
 
 
مُبارك، أربعيني العمر، كان في العام 2015م، وقبل أن يستهدفه القناص المُستقر في إحدى نوبات القصر الجمهوري، يعمل بالأجر اليومي في منطقة الحوبان- تعز والتي تقع تحت سيطرة ميليشيا الحوثي.. يخرج من منزله صباح كل يوم بعد توديعه زوجته وأبناءه.. يذهب للبحث عما يسد رمقهم، ويبقيهم على قيد الحياة.. ثم يعود مع غروب الشمس بعد قضائه يوماً شاقاً.. يتوجه نحو بيته الواقعة وسط المدينة ماراً من جولة القصر، المنفذ الرابط بين شقي تعز المدينة والحوبان، والتي تعمد الحوثيون إغلاقها فيما بعد وجعل سكان المدينة بين فكي الحصار والقناصة.
 
يعود في المساء، قاطعاً تلك المسافة مُروراً بنقاط عدة لميليشيا الحوثي وأخرى للمقاومة الشعبية في سبيل أن يرى أطفاله الثمانية وزوجته ووالديه وأخته الصغيرة.. ومع كل عودة يقدم لهم حصيلة ما جناه خلال يومه.
 
في تلك الفترة كان طرفا الحرب في توتر مُستمر.. والخارج من منزله قد يعني الخروج دون رجعة، وبذلك يكون خروجه الأخير.. أحياناً قد يعود أحدهم إلى أسرته لكنه يعود فاقداً أحد أعضائه.. في الخامس عشر من أكتوبر/ تشرين الأول، من العام 2015م، كاد قناص جولة القصر أن يجعل هذا التاريخ اليوم الأخير بالنسبة لـ مُبارك.
 
| فتّشه فلم يجد سوى قلبه المُرتجف، وبقايا ثلج ذائب
 
لكل واقعة قنص في تعز تفاصيل كثيرة.. يشرح الرجل قصته: "في تلك اليوم كنت في طريقي من الحوبان إلى البيت.. تقريباً الساعة 5 قبل المغرب، وصلت إلى آخر نقطة للحوثيين، جوار المؤسسة الاقتصادية.. أوقفني أحد مسلحي النقطة سألنا: من أين، وإلى أين؟ رديت: "أنا عامل، أشتغل في الحوبان، وعائد إلى بيتي".. ويتابع مُبارك: "عندها انطلق مسلح آخر بالحديث لي قائلاً بتباه: "شفت كيف قتلناهم وقت الاشتباكات.. (يتكلم على مقاتلي المقاومة).. أنت شكلك معاهم، بس بتجي يومك". هكذا هي ألفاظ الميليشيا الحوثية يتلذذون بالقتل، وبه يتوعدون الضعفاء!
أوقفه للتفتيش ربما باحثاً عن سلاح أو على علامات في جسد الرجل للتأكد من أنه ليس مُقاتلاً وإلا كان سيأخذه إلى مُعتقلهم المعروف بـ"مدينة الصالح".. فتّشه فلم يجد سوى قلبه المُرتجف، وظهره المُنحني الذي يحمل عليه بقايا ثلج ذائب، وقليلا من الخضروات.
 
وبحسب الرجل فإنهم سمحوا له بالعبور.. لكنه لم يكن يدرك أنه عابر تجاه الموت.. بفطرته السليمة ذهب غير مُدرك الخطر الذي يهدده بخطف عافيته وعمله، الخطر الذي حوّل تلك اليوم إلى أسوأ أيامه وأشدها رُعباً.. عبر إلى ما لم يتوقعه، عبر بنفسه إلى موته البطيئ وجراحه الدائمة.
 
| لم يكتفِ قناص الحوثي برصاصة واحدة، إنها ست رصاصات
 
وما إن تجاوز النقطة ببضعة أمتار حتى وصل إلى عقبة مُنيف الواقعة تحت مرمى القناص.. عندها وجد استقبالاً عنيفاً ينتظره، استقبالاً لا يُشبه رضى والديه، ولا ابتسامات أطفاله الصغار.. كان من الصعب عليه سرد تفاصيل لحظات قنصه، اللحظات التي وصفها بالأليمة، إلا أنه تابع: "مجرد ما وصلت عقبة مُنيف سقطت عليّ رصاص القناص.. الأولى جاءت أرفع من رأسي.. والثانية جنب أذني.. كنت أسمعهن وأخاف.. أما الرصاصة الثالثة اخترقت فخذ رجلي اليسرى.. الطلقتين الرابعة والخامسة سقطن جنب قدمي وأصبت بشظايا في العرقوب الأيمن.. أما الطلقة السادسة أصابتني في ساقي الأيمن".
 
    | قصة مُبارك هي ثالث حادثة قنص وقعت في المدينة، وفقاً لمعلومات اللجنة الوطنية لرصد انتهاكات حقوق الإنسان. |
 
 
لم يكتفِ قناص الحوثي برصاصة واحدة يطلقها على الضحية المدني الذي لا يحمل سلاحاً، بل يحمل تعبه اليومي بين يديه.. ست رصاصات أطلقها القناص على مُبارك الذي له من اسمه نصيب.. مباركٌ بدعوات والدته، محروس بها حد قوله- قناص أخطأ رأسه لهذا لم يمت.. يضيف: "اختبأت في أماكن غير مكشوفة، وزحفت إلى نقطة المقاومة القريبة مني".
 
استطاع الزحف بخوفه وألمه ونزيف دمه، وبروحه مُتقطعة النَفَس، وفي رأسه تُحلّق صور أطفاله وزوجته.. يؤكد: "كنت أفكر بخبر قنصي، وكيف سينزل على والدايّ وزوجتي وأطفالي.. كيف سأُحمل إليهم جثة هامدة". الخوف الذي عاشه الرجل في تلك اللحظة، خوفه فقدان أطفاله وأسرته جعله يجاهد ويمرُّ بصعوبة ليصل إلى بر النجاة.
 
فور وصوله تم إسعافه من قِبل رجال المقاومة إلى مُستشفى الصفوة، ليأتي ابنه الأكبر (حسني)، ويحمله بجراحه الكبيرة، مُتجهاً به إلى مُستشفى الثورة العام، وهناك أُجريت له العمليات اللازمة لإخراج الطلقة التي تسكن فخذه الأيسر.. يقول الأب: "بعدما رفض مُستشفى الصفوة استقبالي.. تواصلوا مع ابني، جاء وأسعفني إلى الثورة.. وهناك عملوا لي عمليات جراحه وتصفية، كانت أصعبها عملية إخراج رصاصة الفخذ".
 
كان في تلك الفترة، أن تبيت في الثورة ليومين يعني أنك على طرف الموت؛ وذلك بسبب ازدحام الأقسام بالجرحى من مُختلف الفئات ومن أطراف المدينة.. بالإضافة إلى القذائف التي كانت تُهدد المُستشفى يومياً، نتيجة لوقوعه بالقرب من الجبهة الشمالية.. كان الجميع يحمل روحه على كفه حتى الكادر الطبي، والممرضين، والمرضى.
 
يقول حُسني لـ"الساحل الغربي": "بعد يومين من إجراء العملية قال لنا الطبيب لا تجلسوا.. وخرّجت أبي في تلك اليوم بالرغم من حالته غير المُستقرة.. وهذا التقرير يوضح يوم الخروج في 17 أكتوبر، بعد يومين من الإصابة".. ويضيف: "كنت أطلّع والدي كل يوم إلى المستشفى عشان يجارحوا له". مفردات توحي بما عاناه الأب والولد.
 
| رُهاب القناصة: ما هو أقسى من ألم الرصاص 
 
"رجعت البيت مثل ما خرجت.. بيدين فارغتين" فقر وجوع ومعاناة هي نتيجة الحرب الوحيدة، النتيجة الأكثر كارثية على رؤوس هؤلاء.. حرب خلّفت آلافاً من الفقراء، بل ودمّرت أحلام الكثيرين منهم حتى أحلامهم بالعيش الكريم.. رمت بالكثير إلى رصيف الجوع، فمنذ أن بدأت وحتى اليوم وحالات الفقر في ازدياد.. جميعهم يعجزون عن توفير أبسط مقومات العيش..
 
العجز هو أن ترى عائلتك الكبيرة تنظر إليك بأسى، وأنت أملها الوحيد للعيش بكرامة.. وجد مُبارك نفسه عاطلاً عن العمل، لا يستطيع فعل شيء.. ذلك كان أقسى عليه من رصاصات القناص، التي قتلت حِلمه بالحياة التي كان يتدبر تكاليف الأكل والشرب لعائلته.. هل يدرك القناص أن رصاصته سلبت استقرار أسرة كبيرة العدد.. بلا حيلة بقي مُبارك ومن حوله دموع أهله.
 
ظل الرجل عاطلاً عن العمل منذ أن تعرض للقنص، يعايش الظروف الصعبة مع عائلته، لا يجد من يعيلهم سوى راتب ابنه المتقطع.. ابنه الأكبر "حسني" عشريني العمر، الذي التحق بالمقاومة الشعبية ربما لأخذ الثأر من قاتلي أبيه.. يقول الأب "قلبي يحرق عندما أرى ابني وقد تحول إلى مسؤول رغم سنه الصغير وبهموم عُظمى التحق بالمقاومة وحمل هم وطنه وهمي وحاجات إخوته".
 
وكثيرة هي المنظمات التي تهتم بشؤون الفقراء العاجزين عن توفير قوت يومهم؛ لكنها وبحسب الرجل توقفت عنده، ولم يجد منها أدنى مُساعدة.. بقي عاجزاً ومُهمشاً من الداخل والخارج، فلا منظمات خارجية مدت له يد العون كغيره من الناس، ولا الجهات الرسمية المختصة بأمور جرحى القنص ساندته في مِحنته وضائقته.. وحيداً بقي يعاني ويتذوق مرارة هذا الشعور ولا حول له ولا قوة.
 
يبدو أن الرجل قد أصيب بعقدة نفسية من فكرة العمل ومن شوارع كانت حياته، حيث أصبح يعاني من رُهاب القنص.. فعلى مدى ست سنوات مضت عليه وهو جالس في منزله دون خروج.. تسوء ظروف أسرته المعيشية وهو في مكانه الذي أدمنه وأدمن فيه الوجع والألم..
 
في الأشهر الماضية من هذا العام أشفق على حاله أحد أصدقائه، بإعطائه عملاً مُقابل مبلغ زهيد.. يعمل سائقاً مُقابل في خط المدينة- الحوبان.. لكن الخروج هذه المرة على شوارع أبعد، وطرق وعرة وجبال شاقة، على أحد المنفذين إما خط الأقروض، وهو الأطول والأتعب، أو خط جبل حبشي، الطريق المُلتوية والتي لا تقل خطورة عن الأولى.. يُعلق: "حرب وحصار لم نجنِ منها سوى الألم".
 
| ذكرى لا تزول.. بين العلاج والألم 
 
في كل مرة يرى مُبارك ملامحه القاسية، والأثر الذي خلفته رصاصات القناص.. يتذكر كل ما حدث له وما مرَّ به.. سيناريو ما زال يُعاد ويتكرر في ذاكرته كلما زاره الألم، ليقف عندها مُتحسراً على وضعه وعلى ما وصل إليه.
 
يقول الجريح: "أفكر.. لو أن أحد مسلحي نقطة الحوثي منعني من العبور في تلك اليوم.. أو لو أن القناص لم يصبني، واستطعت الفرار من رصاصاته.. بل لو أن الحرب لم تحصل من الأساس ولم تنزل الميليشيا إلى تعز.. أكيد كنا سنكون بخير".
 
علاجات مُستمرة يسبقها ألم مُستمر.. يقضي مبارك أيامه بين العلاج والألم.. قناص لم يتمكن من إزهاق روحه، لكنه أخذ حلمه بالعيش وخطف آمال عائلته، حتى الكيس الذي كان يحمله معه منعه من إيصاله ومعه منع الفرحة من الوصول لمنزل الضحية، الذي غادره إلى منزل جديد تجنباً لحدوث سيناريو مماثل لأحد أفراد عائلته.. وخوفاً من أن يعود أحد أطفاله محمولاً كما عاد هو بألمه الدائم.
 
قصة مُبارك هي ثالث حادثة قنص وقعت في المدينة، وفقاً لمعلومات اللجنة الوطنية لرصد انتهاكات حقوق الإنسان.. قصة تُدمي قلب مدينة الحلم والحالمة.. والتي يكثر فيها مُصابو الأجساد معطوبي الأحلام بفعل قناصة الحوثي التي سرقت حياتهم البسيطة وضاعفت الجراح والمعاناة.

ذات صلة