تحقيق - تلغيم أطفال اليمن.. "كانوا يرددون النشيد الوطني وأغاني أيوب" ثم اختطفتهم داعش الحوثية

  • تعز، الساحل الغربي، عبدالصمد القاضي:
  • 08:23 2023/01/03

من بوابة المدرسة إلى معسكر التدريب، طريق سلكها الكثير من طلبة المدارس الأطفال في المناطق القابعة لسيطرة مليشيا الحوثي الانقلابية المدعومة من إيران.
 
فمنذ سيطرتها على مديرية شرعب السلام، انتهجت المليشيا طريقة الخداع ذاتها التي تعاملت بها مع قبائل عمران وصنعاء قبل سيطرتها على العاصمة صنعاء في سبتمبر 2014، من خلال ما تسمى بوثيقة الشرف القبلي التي وقعتها مع قبائل شرعب قبل سنوات، ونقضتها مطلع العام المنصرم 2020.
 
وعملت المليشيا على استباحة المدارس والمساجد لتعميق فكرها الكهنوتي ومشروعها الإرهابي، الذي تجاوز انتهاكات داعش بحق الطفولة، بأهداف ممنهجة وأساليب بشعة تستهدف فئة الأطفال والشباب لتجنيدهم في صفوفها عبر المراكز الصيفية أو الندوات التي تقيمها تلك المليشيا في مدارس المناطق الخاضعة لسيطرتها، من خلال فرض فكرها السلالي وتدريسه، وهو ما جرى تنفيذه في مديرية شرعب السلام، شمالي محافظة تعز (جنوب غربي اليمن). 
 
"كانوا يرددون النشيد الوطني وأغاني أيوب"
 
"الساحل الغربي" التقى ببعض من أسر الأطفال الضحايا، ومسؤولي المديرية، الذين تحدثوا عن معاناتهم مع المليشيا الحوثية منذ سيطرتها على المديرية، لا سيما بعد أن كشفت المليشيا عن وجهها الحقيقي، وبدأت بنشر أفكارها المسمومة علنًا منذ مطلع العام المنصرم.
 
 
إحسان (46 عاماً) في حديثها لـ"لساحل الغربي"، تقول: "لدي خمسة من أبنائي، تخرجوا من المدارس قبل قدوم المليشيا الحوثية، وكانوا يرددون النشيد الوطني وأغاني أيوب طارش والجمهورية، لكن بعد قدوم المليشيا تغير كل شيء."
 
"حتى المناهج التعليمية حرفت المليشيا معانيها بما يوافق هواها ومشروعها، فركزت على المصطلحات الجهادية والطائفية ووظفتها لخدمة مشروعها، خصوصًا في الصفوف الدراسية الأولى".
 
 
وفي سبيل مشروعها السلالي الكهنوتي المتصادم مع الهوية اليمنية، تعمد المليشيا إلى تجريف هذه الهوية من خلال تحويل المدارس إلى معسكرات لاستقطاب الأطفال إلى صفوفها.
 
أشلاء مجمعة وأعضاء مكررة
 
الطفل عبده (15 عامًا) أحد ضحايا مليشيا الحوثي، أخذته المليشيا من المدرسة وأعادته إلى أسرته أشلاء مجمعة من جثث عدد من القتلى، لم تسطع والدته التعرف عليه، تقول والدته إحسان: "غادر طفلي عبده من بوابة المدرسة إلى معسكر الحوثي في مدينة الصالح في الحوبان، وأعادوه إلينا جثة هامدة لم نستطع التعرف عليه".
 
تردف إحسان: "حينما كشفوا لي عن الجثة لزيارتها، وجدت أن قدميه الاثنتين كلاهما يمنى، فأدركنا أن الجثة تجمعت تجميعا من بين عدد من الجثث، ولم نتأكد أنه قتل أم لا، وهل تلك جثته، لأنها عبارة عن أعضاء وأشلاء مجمعة ومكررة".
 
بحزن وحسرة على طفلها المخدوع الذي وقع ضحية لخبث وصلف المليشيا الإجرامية، تقول والدة عبده "هرب طفلي من المنزل ليلاً إلى معسكر مليشيا الحوثي".
 
مضيفةً: "حاولت أن أمنعه عن الالتحاق بصفوف المليشيا، ولم أستطع، وباءت كل محاولاتي بالفشل".
 
 
"كان عبده يردد دائمًا معاني الجهاد، والمقولات التي يتلقاها من ملازم الهالك حسين الحوثي، وعانيت معه صراعا نفسيا واجتماعيا، بسبب تأثير المدرسة عليه وما تسمى الندوات الثقافية التي تقيمها المليشيا كل أسبوع في المدارس" هكذا وصفت إحسان تأثر طفلها بأفكار المليشيا الحوثية، التي لا تتوانى في استغلال الأطفال وتجعل منهم وقودًا لحربها ضد اليمنيين.
 
تلغيم الأطفال
 
أم الطفل محمد عبدالله (60 عامًا)، وقع طفلها ضحية استغلال واستقطاب مليشيا الحوثي، تقول بصوت شاحب يحمل في نبراته معاناة مريرة: "أشعر بالقلق والتوتر النفسي من استمرار سيطرة مليشيا الحوثي على مدارس شرعب، فطفلي محمد يتهرب من المنزل ويتردد كثيرًا على مدينة الصالح للالتحاق بالدورات الثقافية، ورغم أنه لم يمكث في الصالح أكثر من يوم في كل مرة، إلا أنه عاد بفكر ملغوم".
 
تعاني أم محمد، من أمراض مزمنة، إلا أن ما ضاعف ذلك هو قلقها الدائم على طفلها، يفسره جسمها المتهالك وصوتها المتعب وهي تقول: "عندما هرب محمد أول مرة أصبت بارتفاع السكر، والضغط والقولون العصبي، لكنه لم يقدر حالتي، وعاد مجددًا يضاعف أمراضي المزمنة، تارة بعزمه الذهاب إلى جبهات القتال مع المليشيا الحوثية، وتارة بترك الدراسة والانجرار خلف المليشيا".
 
مناشدة القطاع التربوي والمنظمات الحقوقية بإنقاذ أطفال المدارس بمناطق سيطرة مليشيا الحوثي الإرهابية.
 
 
تجريف الهوية
 
وسعت مليشيا الحوثي نشاطها من خلال تخصيص مسؤول ثقافي لها في كل مدرسة، لنشر الأفكار المذهبية والطائفية المتصلة بنهج المليشيا وتحريضها الصريح ضد الجمهورية، وسعيها الحثيث في بناء أجيال متعطشة للدماء، وتمجيد زعيمها المجرم عبدالملك الحوثي وحراس الكهف، بالإضافة لطمس الهوية اليمنية وتجريف الحضارة، عبر طباعة كتب مدرسية جديدة، وما تسمى المراكز الصيفية والدورات الثقافية التي تقام في مدارس المديرية.
 
 
يضيف مسؤول محلي للساحل الغربي بقطاع التربية، إن السلطة المحلية لا تزال خارج إطار جغرافية المديرية، ومن الصعب إيقاف الخطر المهدد لمستقبل آلاف الأطفال في كثير من عزل المديرية، ولا تستطيع إدارة التربية إجبار الكادر التربوي وتقييدهم في هيكل تنظيمي وإداري موحد، كونهم تحت رقابة وسلطة قمعية متمثلة بمشرفي المليشيا في المديرية.
 
مشيرًا أنه لا توجد إحصائية رسمية للأطفال المجندين في صفوف المليشيا، لكن الأرقام مخيفة جداً، مناشدًا أولياء الأمور والآباء لمراقبة أطفالهم والحفاظ عليهم من الانجرار خلف مشاريع الموت الحوثية. 
 
ودعا مدير مديرية شرعب السلام، إلى تشكيل جبهة وعي من الناشطين والحقوقيين وكل الأطياف اليمنية لمحاربة الفكر الضلالي بالكلمة تزامنًا مع البندقية لتفادي مخاطر المستقبل.
 
ووصف الصوفي الفكر الضلالي للمليشيا الحوثية بسرطان منتشر في المجتمع، يستهدف وحدته على مستوى الأسرة الواحدة، كما يهدف لكسر الروابط الأسرية وتمزيق النسيج الاجتماعي للمجتمع الواحد من خلال الغزو الفكري والنهج الإرهابي وتحشيد مقاتلين من الأطفال، في انتهاك صريح للطفولة وحقوق الأطفال.
 
متسائلًا: من سيعيد للطفل طفولته؟ هكذا يقول واقع الحال وملامح الصورة في المناطق الخاضعة لسيطرة المليشيا.

ذات صلة