«الغلاء وشح الدخل» يعيدان تشكيل رمضان ويقوضان طقوسه الروحانية والاجتماعية

  • عبدالصمد القاضي، الساحل الغربي:
  • منذ ساعة

يحل شهر رمضان على اليمنيين هذا العام مثقلاً بظلال أزمة معيشية ممتدة منذ أكثر من عقد، حيث يجد المواطنون، شمالاً وجنوباً، أنفسهم في مواجهة مباشرة مع أعباء اقتصادية خانقة، جعلت من الشهر الكريم موسماً للقلق بدلاً من كونه مناسبة للسكينة والتكافل.

الغلاء يسبق الهلال

مع اقتراب رمضان، تتصاعد مخاوف الأسر اليمنية مع استمرار ارتفاع أسعار المواد الغذائية الأساسية، مقابل تراجع القدرة الشرائية إلى مستويات غير مسبوقة.. أطباق رمضانية لطالما ارتبطت ببهجة الشهر الكريم أصبحت اليوم خارج متناول كثير من الأسر، في ظل دخول لا تواكب أبسط متطلبات الحياة.

ورغم التحسن النسبي في أسعار صرف العملة بمناطق نفوذ الحكومة خلال الفترة الأخيرة، فإن هذا التحسن لم ينعكس على الأسواق.. فالأسعار تواصل ارتفاعها، وكأنها لا تستجيب لمنطق الاقتصاد أو لتحسن المؤشرات النقدية.

استقرار الصرف.. ومعاناة الأسر

لا تزال أسعار السلع الاستهلاكية والغذائية مرتفعة رغم استقرار سعر الصرف، وهو ما يثقل كاهل المواطنين، خاصة الأسر التي تعتمد على تحويلات المغتربين.

يقول عبدالله يحيى (55 عاماً) من تعز إن تثبيت سعر الصرف لم يترافق مع ضبط أسعار السلع، موضحاً أن ابنه كان يرسل ألف ريال سعودي شهرياً تكفي لأكثر من شهر، بينما يرسل الآن 1500 ريال سعودي دون أن تغطي احتياجات الأسرة، ما يضطره للاستدانة.

ويضيف أن اقتراب رمضان غالباً ما يصاحبه ارتفاع في أسعار السلع الأكثر استهلاكاً، الأمر الذي يضاعف معاناة الأسر.

من جهتها، تقول "انتخاب عبدالباقي" التي تتنقل بين عدن وتعز، إن الأسعار هذا العام أفضل نسبياً من العام الماضي، لكن غياب فرص العمل خلق أزمة أكثر تعقيداً، إذ يعجز رب الأسرة عن توفير الاحتياجات الأساسية.

كما تؤكد أم رزان لـ "الساحل الغربي"، أن الأسعار في عدن مستقرة نسبياً، إلا أن العمل شبه معدوم، وإن وجد فالأجور متدنية، ما جعلها عاجزة حتى الآن عن تجهيز احتياجات رمضان.

سياسات اقتصادية تزيد التعقيد

في مناطق سيطرة مليشيا الحوثي، يجري الترويج للمنتجات المحلية ومنع استيراد بعض السلع الغذائية الأكثر استهلاكاً في رمضان، مثل البقوليات والشوربة والذرة الشامية، في إطار سياسات اقتصادية صارمة.

ويقول أحد التجار في إب إن المنتجات الزراعية المحلية متوفرة هذا العام، لكنها أعلى سعراً من المستوردة، ما يقلل قدرة المواطنين على شرائها، ويجبرهم على البحث عن البدائل الأرخص.

من جهته، يحذر الدكتور العزاني- أستاذ الاقتصاد في جامعة صنعاء، من تفاقم التدهور الاقتصادي واتساع دائرة الجوع، مشيراً إلى تزايد مشاهد اصطفاف المحتاجين أمام المتاجر، خاصة مع قرب شهر رمضان، في ظل تراجع المساعدات الإنسانية.

أسواق مزدحمة.. ورقابة غائبة

في المناطق المحررة، تشهد مراكز التسوق عروضاً رمضانية، إلا أن مواطنين يشكون من تسويق منتجات قريبة الانتهاء أو رديئة الجودة، في ظل ضعف الرقابة.

يقول الناشط "محمد سلطان" عضو الرقابة المجتمعية في تعز، إن الأسواق والبسطات تشهد تسويق منتجات منخفضة الجودة دون رقابة فعلية، مشيراً إلى أن معظم السكان يتجهون إلى الأسواق الشعبية بحثاً عن الأسعار الأقل.

وأضاف أن التجار يرفعون الأسعار بنسب تصل إلى 3% رغم تحسن قيمة الريال، في ظل غياب الدور الفعلي للجهات المختصة في ضبط السوق.

رمضان بلا طقوسه المعتادة

لم يقتصر تأثير الأزمة على الجانب الاقتصادي فقط بل امتد إلى الطقوس الاجتماعية والروحانية.. فقد تراجعت التجمعات الأسرية والتجهيزات الرمضانية، وتلاشت كثير من المظاهر التقليدية التي لطالما ميزت الشهر في اليمن.

يصف الباحث في علم الاجتماع السياسي الدكتور "ياسر الصلوي" رمضان في اليمن بأنه مناسبة دينية واجتماعية متداخلة، حيث يمتد الصيام –تحت ضغط الأعراف الاجتماعية– إلى الأطفال أيضاً.

لكن الحرب غيرت هذه المظاهر؛ فتراجع "التوسيع" الرمضاني، وتحولت المجالس إلى منصات خطاب سياسي وتعبوي، وتبدلت الأولويات لدى الأسر التي باتت عاجزة عن توفير مكونات أصناف تقليدية مثل السنبوسة والكنافة، فضلاً عن اللحوم والأسماك، بينما أصبح تأمين القمح والزيت والغاز أقصى ما تطمح إليه كثير من العائلات.

إصرار على الحياة.. رغم القسوة

ورغم قسوة الواقع، لا يزال اليمنيون يتمسكون بإحياء رمضان بالحد الأدنى الممكن.. يتجلى ذلك في عودة بعض المغتربين، وفي جهود التكافل الاجتماعي والمبادرات الخيرية، وفي محاولات الأسر كسر الركود الاقتصادي ولو مؤقتاً.

رمضان بين الفقد والأمل

بين مؤشرات اقتصادية لا يلمسها الناس، وأسواق تمتلئ بالبضائع الباهظة أو الرديئة، يقف اليمنيون على حافة معيشية صعبة.. فالشهر الذي كان رمزاً للبهجة والتكافل أصبح مرآة تعكس حجم الخسارة التي خلفتها الحرب، «خسارة في الدخل، وفي الطقوس، وفي الإحساس بالأمان».

ويبقى السؤال، هل يستطيع اليمنيون حماية روح رمضان من الانكسار، أم أن الفقر سيواصل زحفه حتى على ما تبقى من المعنى؟

ذات صلة