الفريق طارق صالح يقود معركة بناء الجيش الجمهوري
عندما يعلو ضجيج الخطاب ويغيب أثر الفعل، يبرز القائد الحقيقي حين ينزل إلى الميدان ليضع يده على مكامن الخلل؛ لا ليجمّل الواقع، بل ليعيد تقويمه وتصويبه. ومن هذا المنطلق، جاءت زيارة الفريق أول ركن طارق صالح إلى لجنة البصمة الحيوية في الساحل الغربي، كإعلانٍ صريح بأن معركة بناء الدولة لا تقل أهمية عن معركة استعادتها، وأن الانضباط المؤسسي يمثل خط الدفاع الأول في هذه المواجهة.
لم تكن الزيارة ذات طابع بروتوكولي، بل حملت رسالة حاسمة مفادها أن زمن الفوضى قد ولّى، وأن تأسيس جيش جمهوري حديث لا يمكن أن يقوم على ركام الأسماء الوهمية أو شبكات الفساد المتجذّرة.
إن استماع القائد طارق صالح لتفاصيل عمل اللجنة، وحرصه على تذليل التحديات التي تواجهها، يعكس وعياً عسكرياً وإدارياً عميقاً بأن المعركة اليوم لا تقتصر على خطوط التماس، بل تمتد إلى مراكز المعلومات، ودقة البيانات، وهوية كل جندي يحمل السلاح دفاعاً عن الجمهورية.
ما يجري اليوم في الساحل الغربي من عمليات حصر وتنظيم لقوات المقاومة الوطنية يمثل إعادة صياغة لمفهوم المؤسسة العسكرية؛ جيش جمهوري يُبنى على أسس واقعية لا على أوهام، وعلى الانضباط لا على الارتجال. فالبصمة الحيوية هنا ليست مجرد وسيلة تقنية، بل أداة سيادية فاعلة لاجتثاث جذور الفساد الذي حوّل بعض التشكيلات إلى كيانات هشة تُدار بالكشوفات الورقية لا بالكفاءة البشرية.
وفي المقابل، تبدو بعض القوى المحسوبة على “الشرعية” وكأنها خارج سياق هذه المرحلة. إذ يكشف رفضها لتطبيق نظام البصمة الحيوية، ومراوغتها المستمرة تجاه دمج القوات، أن الإشكالية لا تكمن في ضعف الإمكانيات، بل في غياب الإرادة. فهذه القوى لا تخشى التعقيدات الإجرائية بقدر ما تخشى انكشاف الواقع؛ تخشى سقوط آلاف الأسماء الوهمية، وافتضاح منظومات الفساد التي ارتزقت لسنوات تحت غطاء “الجيش الوطني”.
إن من يرفض البصمة الحيوية، إنما يرفض الشفافية، ومن يتهرّب من دمج القوات، إنما يتنصل من الاندماج في مشروع الدولة، مفضلاً البقاء في دوائر نفوذ ضيقة تغذّيها الفوضى وتديرها المصالح ويفسح المجال للعدو الحوثي ليستمر في غطرته على شمال اليمن.
لقد كانت زيارة الفريق طارق صالح أكثر من مجرد متابعة ميدانية؛ فهي بمثابة إعلان موقف واضح: أن المواجهة ضد الانقلاب الحوثي لا يمكن أن تُدار بعقلية عشوائية أو عبر مؤسسات مخترقة، وأن الطريق إلى صنعاء يبدأ أولاً بإصلاح الداخل، وبناء قاعدة عسكرية نظيفة، منضبطة، ومؤمنة برسالتها الوطنية.
إنها لحظة مفصلية تعيد رسم الفوارق بوضوح: بين من يؤسس لجيش حقيقي، ومن يتشبث بأوهامه، بين من يناضل لاستعادة الدولة، ومن يستثمر في غيابها ولن يصح الا الصحيح .