شرق اليمن وتحولات الطاقة، من الهامش الجغرافي إلى مركز الفعل الاستراتيجي

منذ ساعتين

لم يعد الحديث عن مد أنبوب نفطي عبر شرق اليمن مجرد فكرة اقتصادية عابرة أو مشروع مؤجل من عقود سابقة، بل أصبح يعكس تحولا عميقا في إدراك الفاعلين الإقليميين لأهمية الجغرافيا اليمنية، في لحظة تاريخية تتسم بارتفاع مستوى المخاطر على طرق الطاقة التقليدية، وتزايد الحاجة إلى بدائل استراتيجية أكثر أمنا واستقرارا، إن ما يجري اليوم من نقاشات حول ربط حقول النفط في الخليج العربي بسواحل بحر العرب عبر حضرموت والمهرة، لا يمكن فصله عن التحولات الكبرى في بنية الصراع الإقليمي، ولا عن إعادة تعريف مفهوم الأمن الطاقي في ظل التوترات المتصاعدة في الخليج والبحر الأحمر.
لقد ظلت اليمن لعقود طويلة تُختزل في معادلات الصراع الداخلي والهشاشة السياسية، لكن هذه الرؤية بدأت تتغير تدريجيا مع إدراك متزايد بأن الموقع الجغرافي لليمن يمثل أحد أهم الأصول الاستراتيجية غير المستثمرة في المنطقة، فالسواحل الممتدة على بحر العرب تمنح اليمن ميزة فريدة تتمثل في الوصول المباشر إلى المحيط الهندي دون المرور بالمضائق البحرية المهددة، وهو ما يضع شرق اليمن تحديدا في قلب أي تصور مستقبلي لإعادة توزيع مسارات الطاقة العالمية.
إن المشروع المقترح لمد أنبوب نفطي عبر حضرموت والمهرة يعكس هذا التحول بوضوح، حيث لم يعد الهدف مقتصرا على تسهيل نقل النفط، بل يتجاوز ذلك إلى بناء منظومة بديلة تقلل من الاعتماد على نقاط الاختناق التقليدية مثل مضيق هرمز، وتحد من تأثير التوترات الجيوسياسية على تدفق الإمدادات في مضيق باب المندب والذي يهدد تصديرالنفط عبرالبحر الأحمر في ميناء ينبع، وفي هذا السياق فإن التفكير في هذا المسار الجديد يعبر عن عقلية استراتيجية تسعى إلى استباق الأزمات بدلا من الاكتفاء بإدارتها.
غير أن التطور الأهم في هذا الطرح لا يتوقف عند حدود النفط السعودي، بل يمتد ليشمل إمكانية ربط إنتاج دول خليجية أخرى مثل قطر والكويت ضمن شبكة إقليمية أوسع، وهو ما يحول المشروع من خط نقل أحادي إلى منظومة طاقة متعددة الأطراف، تعيد رسم خريطة التدفقات النفطية في المنطقة.
هذا التصور يقوم على فكرة الربط الشبكي، حيث يمكن نقل النفط من الكويت عبر الأراضي السعودية، وربط الإمدادات القطرية عبر البنية التحتية الخليجية القائمة، لتصب جميعها في مسار استراتيجي واحد يتجه نحو بحر العرب، وبذلك لا يصبح الأنبوب مجرد منفذ سعودي بديل، بل منصة إقليمية مشتركة تتيح لدول الخليج تنويع خياراتها التصديرية وتقليل اعتمادها الجماعي على المسارات البحرية الحساسة.
ومن زاوية استراتيجية، فإن إدخال قطر والكويت في هذا المشروع يضاعف من أهميته الجيوسياسية، حيث يتحول من أداة وطنية إلى رافعة جماعية للأمن الطاقي الخليجي، كما يعزز من الترابط الاقتصادي بين دول الخليج، ويفتح المجال أمام تنسيق أعمق في سياسات الطاقة والتصدير، خاصة في ظل التحديات المتزايدة المرتبطة بالتوتر مع إيران، والتي تجعل من تأمين بدائل عملية وفعالة أمرا ملحا.
كما أن هذا التوسع المحتمل يمنح المشروع بعدا اقتصاديا أكبر لليمن، حيث تتزايد العوائد المتوقعة من رسوم العبور، وتتوسع فرص الاستثمار في البنية التحتية، والموانئ، والخدمات اللوجستية، وهو ما قد يسهم في تحويل حضرموت والمهرة إلى مراكز إقليمية للطاقة والتجارة، بدلا من بقائهما مناطق هامشية في الاقتصاد الوطني.
غير أن هذا السيناريو، رغم طابعه التفاؤلي، يظل مرهونا بجملة من الشروط السياسية والأمنية، إذ يتطلب توافقا إقليميا واسعا، واستقرارا داخليا في اليمن، إضافة إلى صياغة أطر قانونية واضحة تضمن السيادة اليمنية وتحدد طبيعة الشراكات بشكل متوازن، كما أن نجاحه يعتمد على قدرة الأطراف المعنية على تجاوز الحساسيات التاريخية وبناء ثقة متبادلة قائمة على المصالح المشتركة.
وفي هذا السياق، يمكن القول إن المشروع، بصيغته الموسعة، يمثل فرصة تاريخية لإعادة تعريف موقع اليمن في الإقليم، ليس فقط كمعبر للطاقة، بل كفاعل مؤثر في معادلاتها، كما يمنح دول الخليج أداة استراتيجية لتأمين صادراتها في مواجهة بيئة دولية متقلبة.
في المحصلة، فإن ما يطرح اليوم لم يعد مجرد أنبوب نفطي، بل نواة محتملة لنظام إقليمي جديد في مجال الطاقة، يقوم على التنويع، والتكامل، وتقليل المخاطر، وإذا ما تم استثماره بشكل صحيح، فإنه قد يفتح صفحة جديدة في تاريخ المنطقة، تنتقل فيها الجغرافيا من كونها عبئا سياسيا إلى كونها فرصة استراتيجية للنمو والاستقرار.