إيران وأذرعها وصراع الممرات البحرية
لم يعد البحر الأحمر ومضيق باب المندب مجرد ممر ملاحي تقليدي يربط المحيط الهندي بالبحر المتوسط عبر قناة السويس، بل تحول خلال العقد الأخير إلى ساحة صراع جيوسياسي مفتوح تتقاطع فيه مصالح الطاقة العالمية وسلاسل الإمداد العالمية مع استراتيجيات القوى الإقليمية والدولية، وفي قلب هذا التحول يبرز اليمن كنقطة ارتكاز حاسمة تطل على باب المندب، حيث تمر نسبة معتبرة من تجارة النفط والغاز وسلاسل الإمداد العالمية بين آسيا وأوروبا وغيرها من ممرات التجارة العالمية، الأمر الذي جعله بوابة تأثير لا تقل أهمية عن مضيق هرمز في الخليج العربي، وهذا التحول لا يمكن فصله عن الاستراتيجية الإيرانية الأشمل القائمة على بناء طوق جيوسياسي ممتد يحيط بممرات الطاقة من مضيق هرمز شرقًا إلى باب المندب غربًا، عبر أدوات غير مباشرة تعتمد على وكلاء محليين، بما يتيح لطهران تحقيق تأثير واسع بأقل كلفة مباشرة، في إطار ما يمكن توصيفه بالتحكم دون السيطرة والتعطيل دون الإعلان.
منذ اندلاع الحرب في اليمن عام 2015 لم يعد الصراع محصورًا في إطاره الداخلي، بل أخذ يتجه تدريجيًا نحو إعادة تشكيل موازين القوى في الممرات البحرية، ومع تصاعد الدور الإيراني عبر دعم جماعة الحوثي، لم يعد هذا الدعم مقتصرًا على البعد البري، بل تطور نحو بناء قدرات بحرية غير تقليدية شملت الصواريخ المضادة للسفن والطائرات المسيّرة والزوارق المفخخة والألغام البحرية، وهو ما أدى إلى إعادة تعريف دور الفاعلين غير الدوليين في البيئة البحرية، وقد كشفت الوقائع الميدانية منذ عام 2016 هذا التحول بوضوح عندما تعرضت المدمرة الأمريكية USS Mason لهجمات صاروخية في البحر الأحمر، ثم تتابعت العمليات بشكل أكثر تعقيدًا خلال السنوات اللاحقة، وصولًا إلى مرحلة أكثر كثافة خلال عامي 2024 و2025، حيث نفذت الميليشيات الحوثية عمليات استهداف مباشرة للسفن التجارية وناقلات النفط والغاز في البحر الأحمر وخليج عدن، وهو ما أدى إلى خلق بيئة ملاحية عالية المخاطر ورفع تكاليف التأمين البحري وإعادة توجيه مسارات التجارة العالمية نحو رأس الرجاء الصالح، بما انعكس على أسعار الطاقة وسلاسل الإمداد.
في مواجهة هذا النمط من التهديد أعادت الولايات المتحدة وحلفاؤها صياغة مقاربتهم الأمنية، بحيث لم تعد تركز على تحقيق ردع حاسم بقدر ما تسعى إلى ضمان استمرارية التدفق الملاحي، وهو تحول يعكس إدراكًا لطبيعة الحرب غير المتكافئة، حيث تم الانتقال من منطق الحسم إلى منطق إدارة المخاطر، كما برز الاتحاد الأوروبي كلاعب بحري أكثر فاعلية نتيجة تداعيات أزمة الطاقة بعد حرب أوكرانيا 2022، إلا أن هذه المقاربة اصطدمت بمعادلة غير متكافئة، إذ تستخدم أدوات منخفضة التكلفة لتحقيق تأثير عالي مقابل أنظمة دفاعية باهظة، ما يخلق اختلالًا بنيويًا في معادلة الاستنزاف ويمنح أفضلية نسبية للفاعل غير النظامي المدعوم إقليميًا.
لا يمكن فهم ما يجري في البحر الأحمر دون ربطه بمضيق هرمز الذي يمثل مركز الثقل في الاستراتيجية الإيرانية، حيث تمتلك طهران أدوات ضغط أكثر تنوعًا تشمل احتجاز ناقلات النفط والتهديد بتقييد الملاحة وتنفيذ مناورات بحرية ونشر منظومات صاروخية ساحلية، والأهم من ذلك هو الربط العملياتي بين هرمز وباب المندب، حيث تتحول الممرات إلى شبكة ضغط مترابطة، بحيث يؤدي التصعيد في ساحة إلى تفعيل الضغط في ساحة أخرى، وهو ما يمنح إيران قدرة على توزيع المخاطر وتفادي الضربة الحاسمة.
وفي سياق أكثر اتساعًا، لا يمكن إغفال البعد التاريخي الذي يعيد إنتاج نفسه بأشكال مختلفة، إذ يمكن قراءة السلوك الإيراني الحالي ضمن امتداد استراتيجي لتجربة “حرب الناقلات” خلال الحرب الإيرانية–العراقية (1980–1988)، عندما لجأت إيران إلى استهداف ناقلات النفط في الخليج العربي كرد غير مباشر على التفوق العسكري التقليدي، وهو ما أدى حينها إلى تدويل الخليج وظهور تدخلات أمريكية وأوروبية لحماية الملاحة، هذا النمط التاريخي يعكس منطقًا ثابتًا في التفكير الاستراتيجي الإيراني يقوم على نقل المواجهة من ساحة الحرب المباشرة إلى فضاء الاقتصاد العالمي وممرات الطاقة، وهو ما يتكرر اليوم ولكن بنطاق أوسع يمتد من مضيق هرمز إلى باب المندب، مع اختلاف الأدوات وتطور التكنولوجيا المستخدمة من الألغام والزوارق إلى الطائرات المسيّرة والصواريخ الدقيقة.
وفي هذا السياق الإقليمي المتوتر، برز خلال عام 2026 نمط من التصعيد العسكري المباشر وغير المباشر بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، اتخذ شكل ضربات محدودة وعمليات ردع متبادل واستهداف عبر الوكلاء، دون أن يصل إلى مستوى الحرب الشاملة، وهو ما يعكس إدارة محسوبة لحافة الصراع، وفي الوقت نفسه فإن تعثر المفاوضات بين واشنطن وطهران في إسلام آباد أضاف طبقة جديدة من عدم اليقين الاستراتيجي، حيث تعكس تلك المفاوضات فجوة عميقة في تعريف كل طرف لشروط التهدئة وحدود النفوذ الإقليمي.
استنادًا إلى تحليل الاتجاهات حتى مايو 2025، ومع ما شهدته البيئة الإقليمية من تصعيد متدرج وتهدئة هشّة والحرب القائمة بين أمريكاوإسرائيلمنجهةوإيرانمنجهةأخرى والحصار البحري في مضيق هرمز، فإن المسار العام يتجه نحو أحد ثلاثة احتمالات، الأول تصعيد متدرج نحو حصار بحري متقطع يرفع كلفة المرور دون إغلاق كامل، والثاني احتمال توسع المواجهة في حال انهيار التهدئة وتجاوز الخطوط الحمراء، والثالث بقاء المسار التفاوضي قائمًا رغم هشاشته بفعل كلفة الاستنزاف على جميع الأطراف.
تشير هذه المعطيات إلى أن إيران تدير نمطًا متقدمًا من الصراع البحري يقوم على توظيف تعدد الممرات البحرية كأداة ضغط مركبة تشمل باب المندب ومضيق هرمز والتأثير غير المباشر على قناة السويس، بما يسمح بإرباك القوى الكبرى دون مواجهة مباشرة ورفع كلفة الوجود العسكري الغربي في المنطقة وخلق ترابط تفاوضي بين أمن الطاقة ومسارات الحل السياسي، وفي هذا السياق لم تعد السيطرة المباشرة شرطًا للنفوذ، بل أصبح التعطيل الجزئي والمستمر أداة أكثر فاعلية، وهو ما يعكس تحولًا في طبيعة الحرب البحرية من منطق السيطرة إلى منطق التعطيل، ويبقى السؤال مفتوحًا حول من يمتلك القدرة على إدارة هذا التعطيل وتحويله إلى مكسب سياسي في لحظة التفاوض الحاسمة.