ملاذ اليمنيين الأخير.. كيف تحول "بريق الذهب" إلى "فخ نحاسي" برعاية مليشيا الحوثي؟
- صنعاء، الساحل الغربي، تقرير/ هاشم علي:
- منذ ساعتين
تشهد أسواق الذهب في العاصمة المختطفة صنعاء وعدد من المحافظات المنكوبة بالمليشيا تصاعدًا ملحوظًا في شكاوى المواطنين من ممارسات غش واحتيال عند الشراء والبيع، في ظل غياب رقابة فعالة وتباين واضح في آليات التسعير والوزن بين محلات الصاغة، إذ باتت هذه الظاهرة تتخذ أبعادًا اقتصادية أكثر خطورة مع تزايد صعوبات بيع المصوغات خارج البلاد بعد اكتشاف انخفاض عياراتها الفعلية مقارنة بما يُعلن عند الشراء، ما جعل أسواق الذهب واحدة من أكثر القطاعات إثارة للقلق لدى المواطنين في ظل تراجع الثقة وارتفاع الخسائر.
وتحولت هذه الظاهرة اليوم إلى أزمة حقيقية تضرب أحد أهم الملاذات الاستثمارية التي يلجأ إليها اليمنيون في ظل تقلبات الوضع الاقتصادي وغياب البدائل الآمنة لحفظ المدخرات.
يقول مواطنون إنهم فوجئوا عند محاولتهم بيع ما يملكونه من ذهب في أسواق خارجية، سواء في دول الخليج أو غيرها، برفضه أو تقييمه بأسعار أقل بكثير من المتوقع بعد إخضاعه لفحوصات دقيقة كشفت عن خلطه بمعادن أخرى، أبرزها النحاس، ما أفقده جزءًا كبيرًا من نقاوته وقيمته، وهي تجارب تكررت مع عدد متزايد من المسافرين والتجار، وخلقت حالة من القلق والارتباك، ودفعت بالكثيرين إلى التشكيك في جودة الذهب المتداول داخل الأسواق المحلية.
احتيال الوزن
نفوذ المليشيا
تبرز هذه المشكلة بشكل أكثر حدة في المناطق الخاضعة لسيطرة مليشيا الحوثي، حيث تؤكد مصادر تحدثت لـ "الساحل الغربي"، أن بعض محلات الذهب هناك تعود ملكيتها أو ترتبط بشكل مباشر بقيادات نافذة داخل الجماعة، وهو ما يمنحها غطاءً نفوذيًا يحول دون إخضاعها للرقابة الفعلية أو المساءلة القانونية.
ويشير هؤلاء إلى أن هذا النفوذ ينعكس بشكل مباشر على طبيعة السوق، ويجعل من الصعب ضبط المخالفات أو التعامل معها بصرامة، حتى في حال وجود شكاوى موثقة من المواطنين.
وبحسب المصادر، فإن عددًا من هذه المحلات يعتمد أساليب غش ممنهجة تتجاوز الأخطاء الفردية أو الممارسات العشوائية، إذ يتم خلط الذهب بنسب من النحاس أو معادن أخرى أقل قيمة، بما يؤدي إلى خفض العيار الحقيقي للقطعة دون إظهار ذلك للمشتري.
وتُعرض هذه المصوغات على أنها مطابقة للعيارات المتعارف عليها، وفي مقدمتها عيار 21 الأكثر تداولًا في السوق اليمنية، في حين أن الفحص الدقيق أو إعادة البيع في أسواق أخرى يكشف فارق الجودة والقيمة بشكل واضح، ما يضع المستهلك في مواجهة خسائر مباشرة.
تقول "أم أيمن" في حديثها لـ "الساحل الغربي"، إنها فقدت الثقة تدريجيًا بمحلات بيع الذهب، بعد تجارب متكررة مع تفاوت الأسعار بين محل وآخر، ووجود فروق غير مبررة في احتساب المصنعية والوزن.
وتوضح أن المواطن غالبًا ما يواجه صعوبة في فهم آلية التسعير، خاصة في ظل غياب الشفافية أو توحيد المعايير بين المحلات، ما يفتح الباب أمام التلاعب واستغلال حاجة الناس إلى شراء الذهب كوسيلة للادخار أو الزينة.
وتضيف أن المشكلة لا تتوقف عند لحظة الشراء فقط، بل تمتد إلى مرحلة البيع، حيث يُفاجأ الكثير من المواطنين بأن الوزن الفعلي للقطعة أقل مما تم شراؤه، أو أن السعر المعروض عند إعادة البيع لا يعكس القيمة الحقيقية لما دفعوه سابقًا.
وتشير إلى أن هذا الفارق يضع المستهلك أمام خسارة مؤكدة، دون وجود آلية واضحة للاعتراض أو استرداد الحقوق، خصوصًا في ظل ضعف الوعي بإجراءات الفحص والاحتفاظ بالفواتير.
وتتسع هذه الظاهرة في سياق اقتصادي بالغ التعقيد، مع تزايد توجه المواطنين والتجار إلى الاستثمار في الذهب باعتباره ملاذًا آمنًا، وقد أدى هذا الإقبال المتزايد إلى خلق سوق نشطة لكنها غير منضبطة، ما وفّر بيئة خصبة لبعض التجار لممارسة الغش والتلاعب، مستفيدين من ضعف الرقابة الرسمية من جهة، ومن محدودية وعي المستهلكين بآليات التحقق من جودة الذهب من جهة أخرى.
طرق غش متطورة
يؤكد خبراء أن خلط الذهب بالنحاس يُعد من أكثر طرق الغش انتشاراً، نظراً لصعوبة اكتشافه بالعين المجردة، أو حتى باستخدام الوسائل التقليدية المتاحة لدى بعض الصاغة، مشيرين إلى أن هذه العملية تتم عبر تقليل نسبة الذهب الخالص داخل السبيكة أو القطعة، وإضافة نسبة محسوبة من النحاس، بحيث تحافظ على الشكل الخارجي واللون، لكنها تفقد جزءاً من وزنها الحقيقي وقيمتها عند الفحص الدقيق.
ويكمن الخطر في أن المواطن العادي لا يمتلك الوسائل التقنية اللازمة للتحقق من العيار الحقيقي، ما يجعله عرضة للخداع، خصوصًا في ظل غياب ثقافة الفحص قبل الشراء، أو الاعتماد المفرط على ثقة شخصية بالتاجر، وفي كثير من الحالات، لا يتم اكتشاف الغش إلا عند محاولة البيع في سوق آخر.
اقتصاد الحرب
بيئة خصبة للتلاعب
يرى مراقبون أن اتساع ظاهرة الغش في أسواق الذهب يرتبط ارتباطًا مباشرًا بتداعيات "اقتصاد الحرب" الذي فرض واقعًا ماليًا هشًا على البلاد منذ سنوات، حيث أدى تعدد أسعار الصرف بين المناطق، إلى تآكل الثقة بالنقد، ودفع شريحة واسعة من المواطنين نحو تحويل مدخراتهم إلى الذهب باعتباره خيارًا أكثر استقرارًا لحفظ القيمة في ظل غياب البدائل الآمنة.
هذا التحول الواسع في سلوك الادخار والاستثمار أسهم في تضخم الطلب على الذهب بشكل لافت، الأمر الذي جذب أعدادًا متزايدة من التجار ورجال الأعمال إلى هذا السوق، بعضهم يفتقر إلى الخبرة الفنية والمعرفة الدقيقة بمعايير العيارات والجودة، فيما دخل آخرون بدافع تحقيق أرباح سريعة في بيئة مضطربة، ما فتح المجال أمام ممارسات تجارية غير منضبطة تستغل ارتفاع الطلب وضعف الرقابة في آن واحد.
وفي ظل هذا التوسع غير المنظم، تحولت سوق الذهب إلى مساحة عالية السيولة وضعيفة الضبط، تتداخل فيها المصالح التجارية مع غياب المعايير الموحدة للفحص والتسعير، ما أوجد هامشًا واسعًا للتلاعب في الجودة والوزن والعيار دون ردع فعّال، ويستفيد من هذا الواقع بالدرجة الأولى الأطراف الأكثر نفوذًا أو قدرة على تجاوز الإجراءات الرقابية المحدودة.
كما أن استمرار الانقسام بين مناطق السيطرة المختلفة، وغياب سلطة مركزية قادرة على فرض منظومة رقابية موحدة، أسهما في تعميق الفجوات التشريعية والإجرائية، ما جعل من الصعب تطبيق معايير ثابتة على مستوى السوق الوطنية.. هذا التباين وفّر بيئة غير متجانسة، تتيح لبعض الفاعلين استغلال الثغرات القائمة لممارسة أنشطة غير مشروعة بعيدًا عن المساءلة الفعلية.
فجوة كبيرة
آليات البيع والشراء
إلى جانب الغش في العيار، يواجه المواطنون إشكالية أخرى تتعلق بآلية احتساب الوزن عند البيع والشراء، فالعاملون في السوق، يؤكدون أنه عند بيع الذهب للمستهلك يتم احتساب الوزن الكامل للقطعة، بما في ذلك الإضافات غير الذهبية، بينما يتم عند إعادة الشراء استبعاد هذه الإضافات، واحتساب وزن الذهب الصافي فقط.
هذه الممارسة، التي تُعد شبه عرف داخل السوق، تؤدي إلى خسارة مباشرة للمواطن، الذي يجد نفسه يدفع ثمن مكونات لا يتم احتسابها لاحقًا عند البيع. ورغم أن بعض الصاغة يوضحون هذه التفاصيل للمشترين، إلا أن كثيرًا من المواطنين يجهلونها، ما يزيد من حجم الخسائر.
اعتماد خارجي
من جهة أخرى، يؤكد تجار أن السوق اليمنية تعتمد بشكل شبه كامل على استيراد الذهب من الخارج، في ظل تراجع كبير للصناعة المحلية، ويعزو هؤلاء هذا التراجع إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج، ونقص المواد الخام، إضافة إلى هجرة الكفاءات، وتدهور البنية التحتية.
غير أن هذا الاعتماد الخارجي لا يمنع من حدوث عمليات تلاعب داخل السوق المحلية، سواء أثناء إعادة التصنيع، أو خلال عمليات التداول، حيث يمكن خلط الذهب أو تغيير عياره دون وجود نظام تتبع فعال يضمن سلامة المنتج من المصدر إلى المستهلك.
تداعيات خطيرة
يحذر كثيرون من أن استمرار هذه الظاهرة قد يؤدي إلى فقدان الثقة بشكل كامل في سوق الذهب المحلية، وهو ما قد يدفع المواطنين إلى العزوف عن الاستثمار فيه، أو اللجوء إلى شراء الذهب من الخارج، رغم التكاليف المرتفعة لذلك.
كما أن هذه الظاهرة قد تسهم في تعميق الأزمة الاقتصادية، من خلال إضعاف أحد القطاعات القليلة التي لا تزال تحظى بثقة نسبية، وتقليل حجم التداول، وزيادة حالة الركود في السوق، إضافة إلى ذلك، فإن خسارة المواطنين لمدخراتهم قد تؤدي إلى تراجع القدرة الشرائية، وزيادة معدلات الفقر.
تعزيز الوعي
دعوات للإصلاح
في مواجهة هذه التحديات، يدعو مختصون إلى ضرورة اتخاذ إجراءات عاجلة لإصلاح سوق الذهب، تبدأ بتعزيز قدرات الجهات الرقابية، وتزويدها بالأجهزة الحديثة، وتدريب كوادرها على استخدام تقنيات الفحص المتقدمة، مشددين على أهمية توحيد المعايير بين مختلف المناطق، وتفعيل دور القضاء في محاسبة المخالفين.
إلى جانب ذلك، تبرز الحاجة إلى رفع مستوى الوعي لدى المواطنين، من خلال حملات توعوية تشرح طرق التحقق من جودة الذهب، وأهمية الشراء من محلات موثوقة، وضرورة الحصول على فواتير رسمية توضح العيار والوزن والسعر.
ويرى مراقبون أن معالجة هذه المشكلة تتطلب إرادة حقيقية لإعادة تنظيم السوق، وفرض سيادة القانون، وإبعاد المصالح السياسية عن النشاط التجاري، بما يضمن حماية المستهلك، واستعادة الثقة في هذا القطاع الحيوي.