مدارس تعز الأهلية.. مقصلة جشع تذبح أحلام الطلاب وتستنزف جيوب الآباء
- تعز، الساحل الغربي، تقرير/ هاشم علي:
- منذ ساعة
في مدينة تعز المحاصرة، حيث تتقاطع الأزمات الاقتصادية مع التحديات الخدمية المزمنة، يبرز ملف التعليم الأهلي كواحد من أكثر القضايا إثارة للجدل في الأوساط المجتمعية، فمع كل فصل دراسي، تتجدد شكاوى أولياء الأمور من ارتفاع الرسوم الدراسية في المدارس الخاصة، غير أن اللافت هذا العام هو تصاعد حدة هذه الشكاوى، في ظل اتهامات مباشرة لإدارات بعض المدارس بتجاهل التوجيهات الرسمية، والاستمرار في فرض مبالغ تفوق قدرة غالبية الأسر.
يقول عبدالكافي الشرعبي لـ "الساحل الغربي"، ولي أمر، إن الرسوم الدراسية لم تعد مجرد التزام سنوي يمكن التكيف معه، بل تحولت إلى عبء مالي ثقيل يهدد استقرار الأسر، ويدفع بالكثير منها إلى خيارات صعبة، تتراوح بين الاستدانة، أو نقل أبنائهم إلى مدارس أقل كلفة، أو إخراجهم من التعليم بشكل مؤقت أو دائم.
ويشير الشرعبي إلى أن استمرار الزيادات في الرسوم رغم الاستقرار النسبي للعملة الوطنية، لا تتناسب مع مستوى الخدمات التعليمية المقدمة، ولا تراعي الظروف الاقتصادية التي تمر بها البلاد.
وتأتي هذه التطورات رغم صدور توجيهات واضحة من مكتب التربية والتعليم في تعز، مدعومة بقرارات من السلطة المحلية، تقضي بضرورة تخفيض الرسوم الدراسية أو على الأقل تثبيتها عند تسعيرة محددة لكل مدرسة، بما يتماشى مع التحسن النسبي في سعر العملة الوطنية خلال الفترات الماضية.
غير أن شكاوى الأهالي تفيد بأن هذه التوجيهات لم تجد طريقها إلى التنفيذ في عدد من المدارس، التي ما تزال تفرض رسومًا مرتفعة، وتبرر ذلك بارتفاع تكاليف التشغيل، بما في ذلك رواتب المعلمين، والإيجارات، والنفقات التشغيلية الأخرى.
وفي السياق، تتكشف ملامح فجوة واضحة بين السياسات المعلنة والواقع الفعلي داخل المؤسسات التعليمية الأهلية؛ فبينما تؤكد الجهات الرسمية حرصها على تخفيف الأعباء عن المواطنين، يرى أولياء الأمور أن غياب الرقابة الفاعلة سمح لبعض المدارس بتجاوز هذه التوجيهات دون مساءلة حقيقية، ما أضعف من ثقة المجتمع بقدرة الجهات المعنية على ضبط القطاع التعليمي.
حكاية طالب
نموذج لمعاناة متكررة
في واحدة من أبرز الوقائع، روى الصحفي بلال المريري حادثة طرد طالب في الصف الرابع من إحدى المدارس الأهلية بمدينة تعز، بسبب عدم تسديد رسوم متبقية؛ فالحادثة، التي قد تبدو فردية في ظاهرها، تعكس بحسب كثيرين نمطًا متكررًا من التعامل مع الطلاب وأسرهم في ظل تصاعد الضغوط المالية.
ويضيف المريري، أن ولي أمر الطالب توجه إلى إدارة المدرسة وهو يحمل توجيهات رسمية صادرة عن مكتب التربية، إضافة إلى تعميم من محافظ المحافظة يقضي بتخفيض الرسوم الدراسية، إلا أن إدارة المدرسة رفضت الأخذ بهذه التوجيهات، وردت عليه بعبارة وصفت بأنها صادمة: "خذ ملف ابنك وروح سجله عند المحافظ ومدير مكتب التربية".
هذه الحادثة، بما تحمله من دلالات، فتحت بابًا واسعًا للنقاش حول طبيعة العلاقة بين المدارس الخاصة والجهات المشرفة، وحول مدى التزام هذه المؤسسات باللوائح المنظمة للعملية التعليمية، كما أعادت تسليط الضوء على واقع الطلاب الذين يجدون أنفسهم ضحايا إدارات المدارس، والجشع المستمر في تحصيل أكبر قدر من الرسوم الدراسية.
أوضاع صعبة
تأتي هذه الإشكاليات في سياق اقتصادي بالغ التعقيد، تعيشه معظم الأسر في تعز، حيث يعاني الكثير من الموظفين من انقطاع الرواتب أو تأخرها، فيما يعتمد آخرون على أعمال يومية غير مستقرة، ومع ارتفاع أسعار المواد الغذائية والخدمات الأساسية، يصبح تخصيص جزء كبير من الدخل لتغطية الرسوم الدراسية أمرًا بالغ الصعوبة.
ويؤكد مراقبون أن استمرار ارتفاع الرسوم التعليمية، يمكن أن يكون لها تأثير مضاعف على الأسر ذات الدخل المحدود، خاصة إذا كانت تضم أكثر من طفل في سن الدراسة، مشيرين إلى أن التعليم، في مثل هذه الظروف، يتحول من حق أساسي إلى امتياز لا يستطيع الجميع تحمله، ما يهدد بتوسيع فجوة عدم المساواة داخل المجتمع.
تبريرات المدارس
بين الواقع والاتهامات
في المقابل، تدافع بعض إدارات المدارس الأهلية عن سياساتها، مؤكدة أن استمرار تحصيل الرسوم الباهظة يأتي نتيجة مباشرة لارتفاع تكاليف التشغيل، بما في ذلك أجور المعلمين، وأسعار الوقود، وتكاليف الصيانة، فضلًا عن الالتزامات الإدارية الأخرى، وتشير هذه الإدارات إلى أن استمرار العملية التعليمية بجودة مقبولة يتطلب موارد مالية كافية، لا يمكن توفيرها دون مراجعة الرسوم.
غير أن هذه التبريرات لا تقنع كثيرًا من أولياء الأمور، الذين يرون أن بعض المدارس تبالغ في تقدير نفقاتها، وتسعى لتحقيق أرباح على حساب جودة التعليم وحقوق الطلاب، كما يتهمون بعض الإدارات بفرض رسوم إضافية تحت مسميات مختلفة، مثل الأنشطة، أو الخدمات، دون وجود رقابة واضحة على هذه البنود.
جوهر الأزمة
غياب الرقابة
يرى ناشطون أن جوهر المشكلة لا يكمن فقط في ارتفاع الرسوم، بل في غياب آليات رقابة فعالة تضمن التزام المدارس بالتوجيهات الرسمية؛ فبالرغم من وجود قوانين ولوائح تنظم عمل التعليم الأهلي، إلا أن تطبيقها على أرض الواقع يظل محدودًا، في ظل ضعف الإمكانات، أو تداخل الصلاحيات، أو غياب الإرادة الحازمة في بعض الأحيان.
ويؤكد تربويون أن معالجة هذه الإشكالية تتطلب تفعيل دور مكتب التربية والتعليم، ومنحه الصلاحيات الكافية لمراقبة المدارس، ومراجعة هياكل الرسوم، والتأكد من شفافيتها وعدالتها، كما يشددون على أهمية إشراك المجتمع المحلي، من خلال لجان أولياء الأمور، في عملية الرقابة، بما يعزز من المساءلة ويحد من التجاوزات.
تداعيات مقلقة
لا تقتصر آثار هذه الأزمة على الجانب المالي فقط، بل تمتد لتشمل جوانب تربوية واجتماعية أعمق؛ فمع تزايد حالات العجز عن دفع الرسوم، ترتفع معدلات التسرب من المدارس، خاصة في المراحل الأساسية، ما يهدد بخلق جيل يعاني من فجوات تعليمية يصعب تعويضها لاحقًا.
كما أن تعرض الطلاب للطرد أو الإقصاء بسبب ظروف مالية يترك آثارًا نفسية سلبية، قد تؤثر على ثقتهم بأنفسهم، وعلى علاقتهم بالعملية التعليمية بشكل عام، وسط تحذيرات من استمرار هذه الممارسات، التي قد تسهم في تعزيز ظواهر سلبية، مثل عمالة الأطفال، أو الانخراط في أنشطة غير تعليمية، نتيجة غياب البدائل.
دعوات للحل
بين التنظيم والحماية
في ظل هذه المعطيات، تتصاعد الدعوات من مختلف لإيجاد حلول عاجلة تضمن التوازن بين استمرارية المدارس الأهلية، وحماية حق الطلاب في التعليم، حيث يطالب أولياء الأمور بوضع سقف واضح للرسوم الدراسية، يتناسب مع الواقع الاقتصادي، مع إلزام المدارس بالشفافية في إعلان تفاصيل هذه الرسوم.
ويدعو ناشطون إلى تفعيل آليات الشكاوى، وتمكين الأسر من اللجوء إلى الجهات المختصة دون خوف من تعرض أبنائهم لأي إجراءات انتقامية، مشددين على ضرورة إيجاد قنوات تواصل رسمية تتسم بالسرية والنزاهة للتبليغ عن التجاوزات المالية أو الإدارية.
كما يحث هؤلاء الجهات الرقابية بوزارة التربية والتعليم على ممارسة دورها في الإشراف المباشر، وضمان عدم استغلال حاجة الطلاب للتعليم كأداة للضغط المادي، وصولاً إلى بيئة تعليمية مستقرة تحمي حقوق الطلاب وتحد من ظاهرة التوسع العشوائي في الرسوم التي باتت تثقل كاهل الأسر في مدينة تعز.
ويبقى ملف الرسوم الدراسية في المدارس الخاصة بتعز اختبارًا حقيقيًا لقدرة الجهات المعنية على تحقيق العدالة التعليمية، وضمان عدم تحول التعليم إلى عبء يقصي الفئات الأكثر ضعفًا، فبين ضرورات التشغيل التي تتحدث عنها إدارات المدارس، وحقوق الطلاب التي يدافع عنها أولياء الأمور، تظل الحاجة ملحة لإيجاد معادلة متوازنة، تعيد للتعليم دوره كحق أساسي.