تقرير يسبر أغوار السياسة الصينية: هل تضحي بكين بتحالفاتها الخليجية من أجل الشراكة الإيرانية؟
- عدن، الساحل الغربي:
- منذ ساعة
منذ سنوات، تبنت الصين سياسة خارجية حذرة في منطقة الشرق الأوسط، قائمة على مبدأ (الربح الاقتصادي مقابل الصمت السياسي).. فقد نجحت بكين في بناء شبكة علاقات واسعة مع جميع أطراف المنطقة، مدعومة باتفاقيات شراكة استراتيجية مع دول رئيسية مثل الإمارات والسعودية وسلطنة عُمان، إلى جانب إيران.
هذا النهج، الذي أتاح للصين التوسع اقتصادياً دون الانخراط في الصراعات، بدأ يتعرض لاختبار حقيقي مع اندلاع الحرب الأخيرة في المنطقة.
فمع تصاعد العمليات العسكرية، اكتفت بكين في البداية بإدانة الهجمات العشوائية على المدنيين، والدعوة إلى وقف فوري لإطلاق النار، دون اتخاذ خطوات عملية لاحتواء التصعيد.. بل ذهبت أبعد من ذلك باستخدام حق النقض (الفيتو) ضد مشروع قرار في مجلس الأمن رعته البحرين، كان يهدف إلى الضغط على إيران وإنهاء الحرب.
وبحسب تقرير لمنصة «ذا ماريتايم إكزكيوتيف»، فإن هذا الموقف أثار تساؤلات جدية حول مدى حياد الصين، خاصة في ظل علاقاتها العميقة مع إيران.
جذور الانحياز: شراكة الطاقة والسلاح مع إيران
تكشف المعطيات أن العلاقة بين بكين وطهران تتجاوز حدود التعاون التقليدي، لتصل إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية العميقة.
فالصين تستورد ما يصل إلى 90% من صادرات النفط الإيرانية، ما يجعلها شرياناً اقتصادياً رئيسياً لبقاء الاقتصاد الإيراني.. كما تشير تقارير إلى تورط غير مباشر عبر صادرات مواد ومكونات تُستخدم في تطوير برامج الصواريخ، إضافة إلى تقنيات عسكرية ظهرت في أسلحة استخدمت في الهجمات على الملاحة الدولية وأهداف خليجية.
وفي هذا الصدد، تصبح الدعوات الصينية لرفع الحصار عن النفط الإيراني مفهومة من زاوية المصالح، لكنها تثير في الوقت ذاته قلق دول الخليج التي كانت تأمل أن تلعب بكين دوراً موازناً لطهران، لا داعماً لها.
صدمة الخليج: من شريك اقتصادي إلى طرف غير محايد
ومع استمرار الحرب، تكبدت دول الخليج أضراراً جسيمة في البنية التحتية النفطية والاقتصاد، في ظل حالة من ضبط النفس لتجنب توسع الصراع.
غير أن الموقف الصيني، كما يصفه تقرير «ذا ماريتايم إكزكيوتيف»، جعل الصورة أكثر وضوحاً: بكين تميل فعلياً إلى جانب إيران، أو على الأقل لا تمارس أي ضغط حقيقي عليها.
وهنا بدأت ملامح تحول محتمل في العلاقات الخليجية الصينية، قد يصل إلى تجميد أو إعادة تقييم الشراكات بعد انتهاء الحرب، رغم محاولات دبلوماسية جارية لاحتواء التوتر.
التحول الثاني: عندما تتدخل الحاجة للطاقة
وفي موازاة ذلك، يقدم تقرير لمجلة «ناشونال إنترست» زاوية مختلفة لفهم السلوك الصيني، تربطه بالاعتبارات الاقتصادية وأمن الطاقة.
فالصين تعتمد بشكل كبير على واردات النفط والغاز من الشرق الأوسط، حيث استوردت في عام 2025 نحو نصف احتياجاتها النفطية وثلث احتياجاتها من الغاز الطبيعي المسال من المنطقة.
ومع تعرض منشآت الطاقة في المنطقة للضرر، وتهديد الملاحة في مضيق هرمز، لم يعد الأمر مجرد أزمة إقليمية لكنه تحول إلى قضية أمن قومي بالنسبة لبكين.
من الحياد إلى الوساطة: دخول الصين على خط التهدئة
وفي تطور لافت، انتقلت الصين من موقع المراقب إلى لاعب دبلوماسي أكثر فاعلية، حيث شاركت في مفاوضات جرت في إسلام آباد إلى جانب أطراف إقليمية، وأسهمت في التوصل إلى هدنة مؤقتة بين إيران والولايات المتحدة.
هذا التحول يعكس إدراكاً صينياً متزايداً بأن استمرار الحرب يهدد مصالحها الحيوية، خاصة في ظل امتلاكها احتياطياً نفطياً يُقدر بنحو 1.2 مليار برميل، يكفي لفترة محدودة نسبياً في حال استمرار الاضطرابات.
حسابات أكبر: التوتر مع الولايات المتحدة
لا يمكن فصل التحرك الصيني في الشرق الأوسط عن سياق علاقتها المتوترة مع الولايات المتحدة.
فالتراجع الكبير في الصادرات الصينية إلى السوق الأمريكية، نتيجة الرسوم الجمركية، زاد من الضغوط الاقتصادية على بكين.. وفي المقابل، تحتاج الولايات المتحدة أيضاً إلى استقرار أسعار الطاقة لتجنب ارتفاع التضخم.
وبحسب «ناشونال إنترست»، فإن التهدئة في الشرق الأوسط قد تفتح الباب أمام إعادة ضبط العلاقات بين القوتين الاقتصاديتين الأكبر في العالم، خصوصاً مع اقتراب قمة مرتقبة بين الرئيسين شي جين بينغ ودونالد ترامب.
مفترق طرق: سياسة صينية بين التوازن والانكشاف
تكشف الأزمة الحالية أن الاستراتيجية الصينية القائمة على (الحياد المرن) أصبحت أكثر صعوبة في بيئة إقليمية متفجرة.
فمن جهة، تحتاج بكين إلى الحفاظ على علاقتها الحيوية مع إيران كمصدر للطاقة وشريك استراتيجي.. ومن جهة أخرى، لا تستطيع المخاطرة بخسارة دول الخليج، التي تمثل شرياناً اقتصادياً واستثمارياً بالغ الأهمية.
وبين هذين الخيارين، تبدو الصين أمام معادلة معقدة إما الاستمرار في التوازن الدقيق مع مخاطر فقدان الثقة، أو الانخراط بشكل أعمق وتحمل كلفة سياسية أكبر.
وتشير التقارير إلى أن الصين لم تعد قادرة على الاكتفاء بدور (الشريك الاقتصادي الصامت) في الشرق الأوسط.. فتصاعد التوترات، وتداخل المصالح مع الطاقة والتجارة والسياسة الدولية، يدفعها تدريجياً نحو دور أكثر انخراطاً—لكن أيضاً أكثر كلفة وتعقيداً.
وفي لحظة إقليمية حساسة، قد تحدد خيارات بكين ليس فقط مستقبل علاقاتها مع الخليج بل أيضاً موقعها في النظام الدولي كقوة كبرى تسعى إلى إعادة تشكيل موازين النفوذ العالمي.