إيران في كماشة الحرب الهجينة
يبدو أن المواجهة بين إيران والولايات المتحدة دخلت مرحلة جديدة تتجاوز أنماط التصعيد التقليدية، لتتجه نحو صراع أكثر تعقيدًا ينتمي إلى مفهوم الحرب الهجينة؛ حيث لا تبدأ المواجهة بالقوة العسكرية المباشرة، بل عبر الضغط التدريجي، والتفكيك المنهجي لمراكز القوة، واستخدام أدوات اقتصادية وسياسية وأمنية متداخلة. وفي ظل تصاعد الحديث عن احتمالات تقييد الملاحة أو إغلاقها في مضيق هرمز، تتضح ملامح هذا النمط من الصراع بشكل أكبر، مع تداخل الأدوات في أكثر من مستوى.
يمثل مضيق هرمز شريانًا حيويًا يمر عبره نحو 20% من تجارة النفط العالمية، ما يجعله نقطة ارتكاز حساسة في منظومة الطاقة الدولية. وبالتالي فإن أي تهديد لحركة الملاحة فيه لا يقتصر أثره على دول الخليج فحسب، بل يمتد ليشمل الاقتصاد العالمي بأكمله، مع احتمالات اضطراب واسع في الأسواق وسلاسل الإمداد.
في هذا السياق، قد تلجأ الولايات المتحدة إلى تشديد إجراءاتها البحرية تحت عنوان حماية أمن الملاحة، وهو ما قد يقترب عمليًا من مفهوم الحصار البحري وفق قواعد القانون الدولي، حتى وإن لم يُعلن رسميًا كحالة حرب. ومع ذلك، يبقى هذا الخيار خاضعًا لحسابات دقيقة تتعلق بتكلفته السياسية والعسكرية، وإمكانية تطوره إلى مواجهة مفتوحة لا ترغب واشنطن في الانزلاق إليها.
وتُظهر التجارب التاريخية، مثل حصار كوبا عام 1962، أن الحصار البحري يُستخدم كأداة ضغط تدريجي تهدف إلى إنهاك الخصم دون الدخول في حرب شاملة. إلا أن الحالة الإيرانية أكثر تعقيدًا، إذ يترافق الضغط البحري المحتمل مع منظومة أوسع تشمل العقوبات الاقتصادية، والعزل المالي، وحرب المعلومات، والتهديدات السيبرانية.
هذا النمط من الصراع يتقاطع مع ما طرحه فاليري جيراسيموف حول دمج الوسائل العسكرية وغير العسكرية لتحقيق أهداف استراتيجية دون الوصول إلى حرب تقليدية. وفي الحالة الإيرانية يظهر ذلك عبر استهداف صادرات النفط، وتقييد النظام المصرفي، ومحاولات التأثير على الجبهة الداخلية.
في المقابل، لا تقف إيران في موقع المتلقي فقط، بل تمتلك أدوات رد ضمن إطار الحرب الهجينة. ومن المرجح أن تعتمد على وسائل غير مباشرة، مثل تصعيد محدود في المجال البحري، أو تفعيل شبكة حلفائها الإقليميين في العراق ولبنان واليمن، بما يرفع كلفة الضغط دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة.
على المستوى الإقليمي، تتصدر دول الخليج قائمة الأطراف الأكثر تضررًا من هذا الصراع، بحكم موقعها الجغرافي وارتباط أمنها بالممرات البحرية. وقد تعرضت خلال هذه الحرب لعمليات استهداف بالصواريخ والطائرات المسيّرة من قبل ايران، وفي ضوء ذلك، تعمل هذه الدول على تعزيز منظوماتها الدفاعية ورفع جاهزيتها الأمنية، مع تبني سياسات حذرة تهدف إلى احتواء التصعيد وتفادي الانزلاق نحو مواجهة مفتوحة.
اقتصاديًا، يظل استقرار أسواق الطاقة العامل الأكثر حساسية في هذا المشهد، فأي اضطراب في تدفقات النفط عبر مضيق هرمز قد يؤدي إلى ارتفاعات حادة في الأسعار، كما حدث خلال أزمة النفط عام 1973، وهو ما ينعكس مباشرة على الاقتصاد العالمي وسلاسل الإمداد.
في الختام، لا يبدو أن المنطقة تتجه نحو حرب شاملة بقدر ما تعيش حالة من التوتر المستمر تُدار بحذر شديد. فكل الأطراف تدرك أن الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة سيكون مكلفًا، لذلك يتم الاعتماد على أدوات ضغط متبادلة تبقى دون مستوى الحرب المباشرة. وفي هذا الإطار، يظل مضيق هرمز نقطة شديدة الحساسية، قابلة للاشتعال في أي لحظة، دون أن يعني ذلك بالضرورة الوصول إلى حرب شاملة، بل استمرار حالة شد وجذب تُدار وفق حسابات دقيقة وتوازنات معقدة.