الحصار الأمريكي لمضيق هرمز وتداعياته
بناءً على تطورات الساعة وفقاً لإعلان دونالد ترامب ببدء حصار بحري على إيران ابتداءً من يومنا هذا الاثنين الموافق 13 أبريل الساعة العاشرة صباحاً بتوقيت شرق الولايات المتحدة الأمريكية، ومن خلال هذا التصعيد يمكن قراءة المشهد بوصفه انتقالاً حاداً من مرحلة التهديد إلى مرحلة تفعيل أدوات الضغط المباشر، ضمن استراتيجية أمريكية تهدف إلى خنق إيران اقتصادياً وإضعاف قدرتها الردعية عسكرياً وخلال فترة زمنية قصيرة، مع إمكانية تقليص مساحة المناورة السياسية والحراك الدبلوماسي إلى الحد الأدنى.
وما كانت تُوصف بـ"الهدنة" لخمسة عشر يوماً دخلت فعلياً حالة الموت السريري بمغادرة الوفد الأمريكي والتصريحات المتتالية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، حيث نجد أن الانتقال لم يعد نظرياً بين التفاوض والتصعيد، بل أصبح انتقالاً عملياً نحو فرض الإرادة بالقوة.
ومن خلال السيناريوهات المحتملة أن يتم توظيف أدوات متعددة في آنٍ واحد تشمل الحصار البحري، والحرب السيبرانية، والجاهزية العسكرية العالية، في ظل غياب غطاء دبلوماسي فعّال قادر على احتواء التصعيد.
ومن المتوقع في المرحلة الأولى، أن يتم الانتقال من المراقبة إلى التطبيق الفعلي للحصار البحري على إيران وشبكات الملاحة الدولية المرتبطة بها، حيث سيتم فرض قيود صارمة على حركة السفن المرتبطة بإيران كما صرح دونالد ترامب، مع إمكانية إيقافها وتفتيشها أو احتجازها، وبالتوازي مع عمليات تمشيط بحرية لتأمين الممرات من الألغام، وتفعيل قواعد اشتباك صارمة ضد الزوارق السريعة التابعة للحرس الثوري، بما يفرض منطقة ردع بحرية غير معلنة، ومن هنا فإن النتيجة المباشرة لذلك هي رفع كلفة التصدير الإيراني إلى مستويات تعوق استمراريته دون إعلان حرب شاملة.
ومن المتوقع، بالتزامن مع ذلك، أن تتصاعد الحرب السيبرانية كجزء من “الصعقة الصامتة”، حيث يتم استهداف أنظمة الكهرباء والاتصالات والقطاع المصرفي الإيراني وبهجمات منسقة، مع تعطيل جزئي لأنظمة الرصد والمراقبة، وجمع معلومات استخبارية دقيقة حول تحركات القيادات العسكرية الإيرانية، بهدف إحداث إرباك استراتيجي يضعف القدرة على الرد المنظم دون دفع إيران إلى مواجهة مباشرة فورية او استهداف مزيد من تلك القيادات.
ومع تصاعد الضغط، تدخل الأزمة مرحلة تصنيع “نقطة التحول”، حيث يؤدي الاحتكاك المتزايد إلى احتمالية رد إيراني غير محدود يمكن ان يشمل استهداف المنشآت النفطية في دول مجلس التعاون الخليجي والعراق، وهذا الاستهداف سيقابل بالرد المتدرّج الذي سيبدأ عبر حادث بحري أو استهداف غير مباشر ثم تزداد وتيرة التصعيد، وهو ما يمكن توظيفه كذريعة قانونية وسياسية لتوسيع العمليات العسكرية، ومن المتوقع ان تنتقل بعدها الأمور إلى مرحلة الضربات العسكرية الدقيقة التي تستهدف المنشآت الحساسة، ومنصات الصواريخ والطائرات المسيّرة، ومراكز القيادة والسيطرة، في إطار استراتيجية تهدف إلى شل القدرة العسكرية النوعية دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة.
بالتوازي، يتم رفع جاهزية الحلفاء في الخليج العربي، وتعزيز أنظمة الدفاع الجوي، وإعادة توزيع القوات، تحسباً لأي رد انتقامي، خاصة عبر الوكلاء، وهنا يبرز البعد الأخطر في المشهد، حيث لا يقتصر الصراع على مضيق هرمز، بل يمتد إلى مسارح إقليمية متعددة.
في اليمن، يشكّل الحوثيون أداة ضغط متقدمة قادرة على نقل المعركة إلى البحر الأحمر وخليج عدن، عبر استهداف السفن التجارية وناقلات النفط أو تعطيل المرور في باب المندب، بما يخلق أزمة ملاحية موازية تضاعف الضغط على الاقتصاد العالمي من خلال استهداف المنشآت النفطية في دول الخليج العربي بطريقة أشد مما سبق في هذه الحرب، كما يبرز احتمال استهداف ميناء ينبع كهدف استراتيجي نظراً لدوره الحيوي في تصدير النفط عبر البحر الأحمر، وهو ما يعني نقل المعركة إلى عمق البنية التحتية للطاقة في الخليج العربي.
وفي العراق، يمكن لفصائل الحشد الشعبي فتح جبهة استنزاف موازية عبر استهداف القواعد الأمريكية وخطوط الإمداد، بما يربك الانتشار العسكري الأمريكي ويشتت الجهد العملياتي، في حين يبقى التصعيد في لبنان ضمن معادلة ردع محسوب، دون الانزلاق الفوري إلى مواجهة شاملة إلا إذا تجاوزت الضربات الخطوط الحمراء الإيرانية.
بهذا المعنى، فإن المنطقة لا تتجه نحو حرب تقليدية واحدة، بل نحو نمط “الحرب متعددة المسارح”، حيث يتحول الخليج العربي إلى ساحة حصار مباشر او ضرب للمنشآت النفطية في دول الخليج العربي، ويتحول البحر الأحمر وخليج عدن إلى ساحات تهديد للملاحة الدولية، بينما يتحول العراق إلى جبهة استنزاف غير مباشر، وهو ما يجعل الخطر الحقيقي كامناً في تفاعل هذه الجبهات معاً، وليس في الضربة الأولى بحد ذاتها، بما قد يقود إلى تصعيد تدريجي واسع يعيد رسم قواعد الاشتباك في المنطقة ويضع أمن الطاقة والملاحة الدولية أمام اختبار غير مسبوق.