هل انتهت الحرب الأمريكية الإيرانية وماذا عن الذراع الحوثية؟
ما يجري لا يمكن قراءته كتحول بسيط أو تكتيكي، بل هو انتقال في نمط إدارة الصراع، من مرحلة “الاشتباك المفتوح متعدد الجبهات” إلى مرحلة “الضغط العسكري لخدمة تفاوض مشروط”، دون أن يعني ذلك نهاية الصراع أو حتى تخفيفه بالضرورة، وإنما إعادة تنظيمه ضمن قواعد جديدة.
فيما يلي قراءة تحليلية متماسكة للأسئلة المطروحة:
أولًا، نحن بالفعل أمام انتقال جزئي من الحرب إلى التفاوض، لكن ليس بمعناه التقليدي، بل “تفاوض تحت النار”، حيث تُستخدم الضربات العسكرية كأداة لتحسين الشروط التفاوضية، وليس لإنهاء الحرب مباشرة، وهذا النموذج سبق أن استُخدم في حالات مثل العراق بعد 1991، وأيضًا في المفاوضات النووية مع إيران نفسها بعد 2012.
ثانيًا، التصريحات الإيرانية في هذه المرحلة تعكس ثلاث رسائل متوازية، رسالة داخلية لطمأنة الجمهور بأن النظام ما زال صامدًا، ورسالة إقليمية تؤكد استمرار النفوذ وعدم التخلي عن الحلفاء، ورسالة دولية تشير إلى الاستعداد للتفاوض ولكن دون الإقرار بالهزيمة، وهذا النمط يعكس خبرة طويلة لدى طهران في “إدارة التراجع دون إعلان الهزيمة”.
ثالثًا، ما تغيّر فعليًا في وضع إيران هو تآكل هامش المناورة، فقبل هذه الحرب كانت تتحرك عبر أذرعها دون كلفة مباشرة كبيرة، أما الآن فقد أصبحت عرضة لضربات مباشرة، وتعرضت بنيتها اللوجستية والردعية لاختبار حقيقي، ما يعني أن كلفة الاستمرار في نفس النهج ارتفعت بشكل واضح.
رابعًا، حديث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن أن الحرب تنتهي عندما “تنفذ إيران المطلوب” يعكس منطق “فرض الشروط بالقوة”، وهو ليس جديدًا في السياسة الأمريكية، لكنه هنا أكثر صراحة، ويعني أن واشنطن لا تبحث عن تسوية وسط، بل عن تعديل سلوك إيراني محدد، خصوصًا في ملفات النووي والصواريخ والأذرع.
خامسًا، الشروط المطروحة تمس جوهر المشروع الإيراني، لأن هذا المشروع قائم أساسًا على ثلاث ركائز، النفوذ الإقليمي عبر الوكلاء، والقدرة الصاروخية، والبرنامج النووي، وأي مساس بهذه الركائز هو مساس مباشر بهوية المشروع ذاته، وليس مجرد تعديل سلوكي.
سادسًا، التركيز على ملف الأذرع في أي تفاوض محتمل يعكس إدراكًا دوليًا أن النفوذ الإيراني الحقيقي لا يُقاس فقط بالقدرات العسكرية التقليدية، بل بشبكة الوكلاء الممتدة من لبنان إلى العراق إلى اليمن، وهذه الشبكة هي أداة التأثير الأهم لطهران.
سابعًا، من غير المرجح أن تتخلى إيران بالكامل عن نهج الأذرع، لكن المرجح هو إعادة تشكيله، أي تقليل البصمة المباشرة، والانتقال إلى نماذج أكثر مرونة وأقل كلفة، مثل الاعتماد على شبكات محلية أكثر استقلالية، أو تقليل الدعم العلني مع الحفاظ على النفوذ الخفي.
ثامنًا، هذا التحول سينعكس على أذرع إيران بطرق مختلفة، بعضها قد يتعرض للضغط أو التجميد المؤقت، وبعضها قد يُستخدم كورقة تصعيد محسوبة لتحسين شروط التفاوض، أي أن هذه الأذرع ستتحول من أدوات توسع إلى أدوات تفاوض.
تاسعًا، بالنسبة لميليشيا الحوثي، فإن موقعها حساس جدًا، لأنها تمثل ورقة ضغط استراتيجية على الممرات البحرية في البحر الأحمر، وبالتالي فإن أي تفاوض سيضعها ضمن المعادلة، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر.
عاشرًا، إذا تقلصت قدرة إيران على التمويل والتسليح، فمن المرجح أن يتغير سلوك الحوثيين تكتيكيًا، لكن ليس استراتيجيًا، بمعنى أنهم قد يقللون من التصعيد أو يعيدون ترتيب أولوياتهم، لكنهم لن يتخلوا عن مشروعهم بسهولة، لأنهم أصبحوا فاعلًا محليًا قائمًا بذاته.
حادي عشر، ارتباط الملف الحوثي بالمفاوضات غير المباشرة يعكس حقيقة أن اليمن أصبح جزءًا من معادلة الأمن الإقليمي، وليس مجرد صراع داخلي، وبالتالي فإن أي تسوية مع إيران ستمر، بشكل أو بآخر، عبر الملف اليمني.
ثاني عشر، ستسعى إيران إلى استخدام الحوثيين كورقة تفاوضية، عبر التحكم بمستوى التصعيد في البحر الأحمر و مضيق باب المندب واستهداف العمق السعودي في ميناء ينبع، أو عبر تقديم “تنازلات جزئية” مرتبطة بسلوك الجماعة، دون التخلي عنها بالكامل.
ثالث عشر، نحن على الأرجح لسنا أمام نهاية المشروع الإيراني، بل أمام مرحلة “إعادة تموضع”، قد تكون أقل صدامًا في الشكل، لكنها تحافظ على الجوهر، مع محاولة تقليل الكلفة وتجنب المواجهة المباشرة.
رابع عشر، هذه التطورات قد تفتح نافذة لتقليص الحروب بالوكالة، لكن ذلك يعتمد على مدى صلابة الشروط الدولية، وقدرة الأطراف الإقليمية على استثمار اللحظة، لأن إيران ستسعى دائمًا للاحتفاظ بأدوات نفوذ بديلة وخاصة في مضيق باب المندب و البحر الأحمر من خلال استهداف الملاحة الدولية من قبل الميليشيات الحوثية.
خامس عشر، ما يجب أن تراقبه الدول المعنية في المرحلة القادمة يتمثل في ثلاثة مؤشرات رئيسية، مستوى الدعم الإيراني للأذرع، وخاصة الذراع الأكثر فاعلية في مسرح البحر الأحمر وخليج عدن المليشيات الحوثية و طبيعة الخطاب السياسي الإيراني هل يتجه نحو التهدئة أم التصعيد، ومسار المفاوضات هل يتجه نحو اتفاق شامل أم تفاهمات جزئية مؤقتة.
الخلاصة أن المشهد لا يتجه نحو نهاية الصراع، بل نحو إعادة صياغته، حيث تتحول الحرب من مواجهة مباشرة إلى صراع مركّب يجمع بين الضغط العسكري والتفاوض السياسي، وتبقى النتيجة مفتوحة على احتمالات متعددة، أهمها إما تثبيت توازن ردع جديد، أو الانزلاق إلى جولة تصعيد أخرى إذا فشل التفاوض.