تحولات الحرب الأمريكية الإيرانية وإعادة تشكيل معادلات الأمن العربي
تكشف المواجهة الجارية بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران عن تحولات عميقة في بنية النظام الإقليمي في الشرق الأوسط، ليس فقط من زاوية الصراع المباشر، بل من حيث النتائج غير المباشرة التي قد تعيد رسم موازين القوى وتفتح المجال أمام الفاعلين الإقليميين، وعلى رأسهم الدول العربية، لإعادة صياغة موقعهم في معادلة الأمن والاستقرار.
إن أحد أبرز التداعيات المتوقعة لهذه الحرب يتمثل في انكفاء إيران على الداخل، نتيجة الكلفة العالية للمواجهة العسكرية الواسعة الحالية، سواء على مستوى البنية التحتية أو الاقتصاد أو الاستقرار السياسي، وهو ما سيؤدي بالضرورة إلى تقليص قدرتها على تمويل وإدارة أذرعها الإقليمية في مناطق متعددة مثل العراق وسوريا ولبنان واليمن، حيث اعتمدت طهران طوال العقود الماضية على استراتيجية “الحروب بالوكالة” لتوسيع نفوذها دون الانخراط المباشر في مواجهات شاملة.
إن هذا التراجع المتوقع، إن تحقق، يعني عمليًا نهاية مرحلة “تصدير الثورة” كأداة توسع جيوسياسي وزراعة الاذرع كما حدث في لبنان واليمن والعراق وما جلبه من آثار مدمرة على هذه الدول وجيرانها والامن الإقليمي والدولي، والذي فتح فراغًا استراتيجيًا في الإقليم.
إن هذا الفراغ لا ينبغي أن يُفهم فقط كفرصة، بل كتحدٍ تاريخي أمام الدول العربية، التي عانت لعقود من اختلالات في منظومة الأمن الجماعي، واعتمدت بشكل كبير على المظلة الغربية، خصوصًا الأمريكية، في حماية أمنها القومي، خاصة في ما يتعلق بأمن الطاقة وممرات الملاحة الدولية مثل مضيقي هرمز وباب المندب.
غير أن هذه الحرب، بما تحمله من مؤشرات على إعادة تموضع القوى الكبرى، تؤكد أن الاعتماد المطلق على الخارج لم يعد خيارًا استراتيجيًا آمنًا.
في هذا السياق، تبرز الحاجة الملحة لإعادة بناء منظومة أمن عربي مشترك، لا تقوم فقط على التنسيق السياسي التقليدي، بل على تكامل عسكري وتكنولوجي حقيقي، يستند إلى فهم جديد لطبيعة الحروب الحديثة.
لقد أثبتت التجارب الأخيرة وخاصة في هذه الحرب الحالية بين أمريكا وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، وكذلك ما حدث في حرب روسيا وأوكرانيا أو أرمينيا واذريبجان في ناجورمو كارباخ وغيرها من نزاعات الشرق الأوسط والعالم، أن الحروب لم تعد تعتمد بالدرجة الأولى على الجيوش التقليدية الضخمة، بل على أدوات أكثر مرونة وفاعلية، مثل الطائرات المسيرة، وأنظمة الحرب الإلكترونية، والقدرات السيبرانية، والصواريخ الدقيقة منخفضة الكلفة.
إن الاستثمار في الطيران المسيّر والتقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي وغيرها، على سبيل المثال، لم يعد خيارًا تكميليًا، بل أصبح ضرورة استراتيجية، حيث أظهرت هذه التكنولوجيا قدرتها على تغيير موازين المعركة بتكلفة منخفضة نسبيًا مقارنة بالأسلحة التقليدية، كما أنها تمنح الدول متوسطة القوة قدرة ردع غير متكافئة أمام خصوم أكبر. كذلك، فإن تطوير منظومات دفاع جوي متكاملة، قادرة على التعامل مع التهديدات الحديثة مثل الصواريخ الباليستية والطائرات بدون طيار ... الخ، يمثل حجر الزاوية في أي استراتيجية دفاعية عربية مستقبلية.
إلى جانب ذلك، فإن بناء قاعدة صناعية عسكرية عربية مشتركة أصبح ضرورة لا تحتمل التأجيل او الحسابات القطرية الضيقة فالأمن العربي اصبح ضرورة لا ترفاً، ليس فقط لتقليل الاعتماد على الخارج، بل أيضًا لتعزيز الاستقلال الاستراتيجي، وتوفير القدرة على التكيف السريع مع طبيعة التهديدات المتغيرة.
وفي هذا الإطار يمكن الاستفادة من التجارب الدولية الناجحة، حيث استطاعت دول مثل تركيا وكوريا الجنوبية وأوكرانيا أن تحقق قفزات نوعية في مجال الصناعات الدفاعية خلال فترة زمنية قصيرة نسبيًا، من خلال الاستثمار في البحث والتطوير، وبناء شراكات استراتيجية، ونقل التكنولوجيا، غير أن تحقيق هذه الرؤية يتطلب إرادة سياسية عربية موحدة، تتجاوز الخلافات البينية، وتدرك أن التهديدات لم تعد محلية أو محدودة، بل أصبحت عابرة للحدود، وأن الأمن القومي العربي لم يعد قابلًا للتجزئة. كما يتطلب أيضًا إعادة تعريف مفهوم الردع، بحيث لا يقتصر على القدرات العسكرية التقليدية، بل يشمل أيضًا الردع الاقتصادي والتكنولوجي والإعلامي.
إن ما تكشفه الحرب الأمريكية الإيرانية الحالية هو أن العالم يدخل مرحلة جديدة من الصراعات منخفضة الكلفة عالية التأثير، حيث يمكن لأدوات صغيرة أن تحدث نتائج استراتيجية كبيرة، وحيث تتراجع الهيمنة المطلقة للقوى العظمى لصالح نماذج أكثر تعقيدًا وتعددية، وفي هذا السياق، فإن كسر حالة التبعية، وبناء منظومة أمن عربي قائمة على التكامل والتكنولوجيا، لم يعد خيارًا نظريًا، بل ضرورة وجودية تفرضها تحولات الواقع.
*أكاديمي ومحلل سياسي يمني ـ جامعة تعز