قراءة الحرب الراهنة في ضوء السياق التاريخي

منذ ساعة

ما يجب فهمه قبل تحليل ما يجري اليوم من حرب هو أن قراءة اللحظة الراهنة بمعزل عن سياقها التاريخي تقود بالضرورة إلى أوهام سياسية خطيرة، خصوصًا لدى أنصار الحوثي، الذين يبنون تصوراتهم على خطاب عنتري وصمود إيراني متخيَّل، يقوم على فرضية أن امتناع الولايات المتحدة عن اجتياح بري لإيران هو نتيجة قوة ردع إيرانية حاسمة، بينما الواقع مختلف تمامًا.


هذا الوهم لم يكن ليستمر لولا الخيبات والخسائر العميقة التي ارتبطت بتجربة الجيوش التي احتلت العراق، ولولا الدور الذي لعبته إيران في التخادم مع الاحتلال الأميركي بعد عام 2003، وما أعقب ذلك من تسليم فعلي لمفاصل الدولة العراقية إلى النفوذ الإيراني، في لحظة مثّلت صدمة استراتيجية كبرى للولايات المتحدة نفسها قبل أن تكون صدمة لحلفائها، إذ وجدت واشنطن نفسها وقد أسقطت دولة معادية، لكنها فتحت في المقابل المجال أمام تمدد خصم إقليمي آخر أكثر مرونة وأشد تعقيدًا.
لفهم هذا المسار، لا بد من العودة إلى محطات مفصلية، تبدأ بالحرب العراقية الإيرانية التي انتهت رسميًا في الثامن من أغسطس عام 1988، والتي خرج فيها العراق منتصرًا عسكريًا رغم الكلفة البشرية والاقتصادية الهائلة، ثم حرب عام 1991 التي كسرت ميزان القوة العراقي وأضعفت بنيته العسكرية، دون أن تُسقط الدولة أو تفكك مؤسساتها، وصولًا إلى حرب عام 2003 التي شكّلت التحول الأخطر، حيث أدى الاحتلال الأميركي إلى تفكيك الدولة العراقية نفسها، وإلغاء مؤسساتها السيادية، وفتح المجال واسعًا أمام تغلغل إيراني منهجي ومنظم داخل بنية النظام الجديد.
إن ما تلا حرب 2003 من فوضى ممتدة، ومقاومة مسلحة، وخسائر بشرية ومالية ضخمة، وانهيار مشروع “إعادة البناء” الأميركي، لم يكن مجرد إخفاق تكتيكي، بل شكّل العامل الحاسم في إعادة صياغة العقيدة العسكرية والسياسية لواشنطن، ودفعها إلى إعادة تقييم جدوى الاحتلال البري المباشر، خصوصًا في دول كبيرة ومعقّدة اجتماعيًا وجغرافيًا وسياسيًا، مثل إيران، حيث يصبح الاحتلال عبئًا استراتيجيًا طويل الأمد بدلًا من كونه أداة حسم.
في هذا السياق، لا يمكن إنكار أن إيران طوّرت أدوات فعالة في إدارة الصراع غير المتكافئ، واستثمرت في شبكات الوكلاء الإقليميين، ورفعت كلفة أي مواجهة مباشرة عبر استراتيجيات الاستنزاف، والحرب بالوكالة، والضغط السياسي والأمني غير المباشر، غير أن هذه الأدوات لا ترقى إلى مستوى ردع شامل يمنع الولايات المتحدة من العمل عسكريًا إذا قررت ذلك، بل تجعل كلفة الاحتلال البري المباشر مرتفعة وغير مضمونة النتائج، وهو فارق جوهري يتجاهله الخطاب الدعائي السائد.
بكلمات أخرى، فإن ما جرى في العراق منذ عام 1991، وما بلغ ذروته بعد عام 2003، هو الذي دفع الولايات المتحدة إلى التراجع عن خيار الاحتلال البري المباشر لإيران في المرحلة الراهنة، وليس قوة الردع الإيرانية كما يُروّج لها، بل كلفة التجربة السابقة وفشلها الاستراتيجي، وما خلّفته من استنزاف سياسي وعسكري ومالي، جعل واشنطن تميل إلى إدارة الصراعات بأدوات أقل كلفة وأكثر مرونة.
والله أعلم.