سمير اليوسفي يكتب: في المخا… تُختبر قدرة اليمن على حماية العالم
- المخا، الساحل الغربي:
- منذ ساعتين
في غرب محافظة تعز، حيث تنفتح اليابسة على واحد من أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم، تقف المخا في موضعٍ أكبر من خرائط الحرب اليومية، وأبعد من ضوضاء السجال المحلي. فهذه المدينة لم تعد تُقرأ بحدودها الإدارية وحدها، لأن باب المندب القريب منها يرفعها من مقام الجغرافيا إلى مقام الوظيفة، ويجعل ما يجري على ساحلها وما وراءه شأناً يخص الدولة اليمنية بقدر ما يخص الإقليم، ويمس حركة العالم بقدر ما يمس تفاصيل الداخل.
لهذا تبدو المخا، لمن يقرأ الوقائع بهدوء، موضع اختبار لمعنى الدولة حين تُدعى إلى حماية نقطة لا تحتمل التراخي. فالممرات الكبرى لا تحرسها النوايا الحسنة، ولا يكفيها ضجيج الخطاب، وإنما تحتاج إلى سلطة تعرف وزن المكان، وتدرك أن الخلل في هذا الركن من تعز لا يتوقف عند حدود مديرية أو محافظة، بل يمتد أثره إلى البحر الأحمر، ثم إلى طرق التجارة التي تمر من هنا إلى ما وراء البحار.
ومن هذا الباب، لا تعود المسألة صالحة للاختزال في لغة النفوذ المجرد، ولا في الحسابات الضيقة التي تتعامل مع المخا كأنها جائزة داخلية. فالمدينة، بحكم موقعها، تحمل معنى يتجاوز من يسيطر عليها إلى ما الذي يُصنع فيها: أهو ضبطٌ يراكم الاستقرار، أم فراغٌ يفتح أبواب التنافس على حساب وظيفة المكان؟ وحين يُطرح السؤال بهذه الصورة، تتبدل زاوية النظر، ويغدو الأهم هو ما إذا كانت المخا قد اتجهت نحو مزيد من التماسك، لا من الذي رفع صوته أكثر في توصيف ذلك.
في هذا السياق يبرز دور طارق صالح بوصفه جزءاً من مشهدٍ ميداني لا يمكن القفز عليه. فالرجل ارتبط، خلال السنوات الأخيرة، بجهد واضح في الساحل الغربي، والمخا على وجه الخصوص، حيث تحولت المنطقة من عنوان مكشوف إلى مساحة أكثر انضباطاً وقدرة على الإمساك بنفسها. ومن الإنصاف أن يُقال إن هذا التحول لم يأت من فراغ، كما أن الإنصاف نفسه يقتضي أن يُوضع في إطاره الصحيح: دورٌ فاعل على الأرض، تتضح قيمته حين يُقرأ في سياق الدولة، لا حين يُنتزع منها أو يُختزل فيها وحده.
ولأن المخا من تعز، وتعز لا تُجزَّأ في مثل هذه اللحظات الحساسة، فإن أمن المدينة لا ينفصل عن أمن امتدادها البري داخل المحافظة. فالساحل لا يستقر بواجهة البحر وحدها، بل يحتاج إلى ظهرٍ مطمئن، وإلى خطوط إسناد لا تتشقق مع كل خلاف. ومن هنا تكتسب الوازعية وما جاورها معناها الحقيقي؛ فهي ليست حاشية جغرافية ملحقة بالمشهد، وإنما ضلع من توازن تعز نفسها، والخلل فيها ينعكس على المخا كما ينعكس اضطراب المخا على صورة المحافظة كلها. وأي قراءة توحي بأن الساحل الغربي شأن منفصل عن تعز تمنح الخصومة السياسية مادة سهلة، لكنها لا تصمد طويلاً أمام منطق الجغرافيا ولا أمام حقائق الميدان.
ولعل المشكلة في بعض السجالات الجارية أنها تحاول أن تفسر الوقائع بمزاج الخصومة أكثر مما تفسرها بميزان المصلحة العامة. فعندما تتحول الحاجة إلى ضبط موضع استراتيجي إلى مادة للتنازع الحزبي، يضيع أصل السؤال: من يخدم استقرار تعز واليمن، ومن يضيف طبقةً جديدة إلى الالتباس؟ وفي مثل هذه القضايا، لا يكون الرأي المنصف ذاك الذي يوزع شهادات البراءة أو الإدانة، وإنما الذي يفرق بين التنافس السياسي الطبيعي وبين العبث بموقعٍ لا يجوز أن يبقى رهينة لتقلبات الحساسية التنظيمية.
ومن هنا أيضاً تكتسب مظلة مجلس القيادة الرئاسي قيمتها الفعلية، لأن الأدوار الميدانية، مهما تكن كفاءة أصحابها، تصبح أمتن وأبقى حين تنتظم تحت سقفٍ سياسي جامع. وقد لامس الرئيس رشاد العليمي جوهر المسألة في لقائه مع الصحفيين بالرياض في نوفمبر 2024، حين وضع أمن الملاحة في البحر الأحمر في حجمه الحقيقي، باعتباره شأناً يتجاوز الإطار اليمني الضيق إلى مصالح العالم الأوسع. وهذه المقاربة لا ترفع المخا فوق حجمها الطبيعي، وإنما تعيدها إلى معناها الصحيح: مدينة في تعز، نعم، لكنها مدينة تقف عند ملتقى المحلي بالدولي، ويترتب على استقرارها ما يتجاوز شاطئها القريب.
وفي الخلفية من ذلك كله تقف السعودية، بصفتها قائدة التحالف العربي، في موقعٍ مفهوم لا يحتاج إلى كثير شرح ولا إلى حديث بلسانها؛ فكل ما يعزز حضور الشرعية في مفاصلها الحساسة، ويخفف هشاشة الساحل الغربي، ويصون البحر الأحمر من مزيد من الانكشاف، يلتقي موضوعياً مع حسابات التحالف ومصالح الإقليم في هذه المرحلة. وهذه حقيقة تقرؤها السياسة كما تقرؤها الجغرافيا، من غير حاجة إلى مبالغة، ومن غير أن يتحول كاتب الرأي إلى متحدث باسم أحد.
أما القوى السياسية في تعز، وفي مقدمتها الإصلاح، فليست أمام ملفٍ عابر يمكن التعامل معه بأدوات المناكفة المعتادة. فالمخا ليست خارج المحافظة حتى تُقدَّم على هذا النحو، وليست خصماً لتعز حتى يُخيل لبعضهم أن استقرارها انتقاص من أحد. وعلى العكس من ذلك، فإن تعز، بكل تضاريسها ومنافذها وامتداداتها، تبدو أكثر حاجة إلى قراءة ترى المحافظة جسداً واحداً في موضع تتصل فيه الجبال بالبحر، وتتصل فيه حسابات الداخل بممرات العالم. وحتى المجالس والتجمعات التي تنشأ بين حين وآخر لا تزيد المشهد رصانة إلا حين تدرك أن هذا الملف أثقل من أن يُدار بعناوين محلية ضيقة.
والذي تقوله الوقائع، بعيداً من المكابرة وبعيداً من التهويل، أن المخا شهدت في السنوات الأخيرة قدراً من التحسن في الضبط والإدارة والحضور الأمني، وأن هذا التحسن اقترن بقدرة أوضح على التعامل مع الموقع باعتباره مسؤولية لا غنيمة. وقد يبقى الباب مفتوحاً لكثير من الملاحظات على الأداء، وهذا طبيعي في شأن عام بهذا التعقيد، لكن المبالغة في الإنكار لا تقل خللاً عن المبالغة في المديح. والكتابة المنصفة لا تصادر حق النقد، كما لا تصادر حق الناس في رؤية ما تحقق على الأرض.
لهذا فإن السؤال الأجدر بالطرح ليس: من يربح من المخا في ميزان الاصطفاف؟ وإنما: ماذا ربحت الدولة اليمنية من تثبيت هذا الموضع، وماذا كسبت تعز من أن يبقى ساحلها الغربي أكثر تماسكا، وماذا يعني للعالم أن تظل هذه البقعة أقرب إلى النظام منها إلى الفوضى؟ وعند هذه الأسئلة يتراجع كثير من الصخب، لأن الحقيقة تصبح أكثر بساطةً وأشد إقناعاً: المواقع الحساسة تقاس بما تتركه من أمن، لا بما يقال فيها من ادعاء.
في النهاية، تبدو المخا امتحاناً لفكرة الدولة أكثر مما تبدو امتحاناً للأشخاص. فحين تستطيع الشرعية أن تمسك بهذا الركن من غرب تعز، وأن تربط سلامة البر بأمن البحر، وأن تقدم دليلاً عملياً على أن اليمن لا يزال قادراً على حماية جزء من العالم عبر حماية أحد أهم ممراته، فإن المعنى يتجاوز الأسماء من غير أن يلغي أدوارها. وعند هذا الحد تتضح الصورة في قدرٍ من السكينة: من يشارك في تثبيت الأمن هنا لا يخدم نفسه وحدها، بل يضع حجراً في جدار المعنى اليمني الأوسع؛ معنى الدولة حين تنجح، وتعز حين تُقرأ كاملة، والمخا حين تُرى على حقيقتها.