تظاهرة المخا... انطلاقة المشروع الجمهوري

منذ ساعة

مثّلت التظاهرة الجماهيرية التي شهدتها مدينة المخا محطة سياسية مفصلية في مسار إعادة بناء المشروع الجمهوري اليمني. ففي لحظة فارقة من تاريخ الصراع الوطني، سجلت المقاومة الوطنية بقيادة نائب رئيس مجلس القيادة الرئاسي، الفريق الركن طارق صالح، حضورًا سياسيًا وشعبيًا لافتًا أعاد توجيه البوصلة نحو الهدف الأسمى المتمثل في استعادة الدولة ومؤسساتها على أسس جمهورية ثابتة.

الحدث لم يكن مجرد فعالية جماهيرية، بل خطوة سياسية محسوبة تستثمر الوعي الشعبي في ترسيخ الهوية الوطنية، وتؤكد أن الجمهورية لا تزال الإطار الجامع لليمنيين في مواجهة مشاريع التمزيق والطائفية. فالرسائل الصادرة من المخا جاءت متوازنة وواضحة؛ تجمع بين الخطاب الوطني والرؤية الإقليمية المنسجمة مع توجهات الأمن القومي العربي، خصوصًا في ظل تطابق مصالح اليمن ودول مجلس التعاون الخليجي أمام التهديدات الإيرانية المستمرة عبر أذرعها الحوثية.

يعكس هذا التحرك نضجًا واضحًا في أدوات العمل السياسي للمقاومة الوطنية، التي استطاعت المزج بين الفعل الميداني والخطاب السياسي المنظم، لتصبح أحد أبرز الفاعلين في المشهد الوطني الراهن. ويجسد تواجد الفريق الركن طارق صالح في الساحل الغربي دلالات رمزية تتجاوز التمثيل العسكري، إذ يقدم نموذجًا للقيادة التي تجمع بين الاستراتيجيات الأمنية والإدارة السياسية، في سياق إعادة بناء الجبهة الجمهورية بعد سنوات من التفكك والتشتت.

كما أكد المشهد في المخا أن المشروع الجمهوري في اليمن لم يفقد شرعيته الشعبية رغم كل محاولات طمسه، بل يستعيد اليوم زخمًا جديدًا بفعل إرادة الناس، وبدعم من القوى الإقليمية التي تدرك أهمية استقرار اليمن ضمن منظومة الأمن الخليجي والعربي والدولي. وهنا تتضح أبعاد التحالف العملي بين المقاومة الوطنية وتلك الدول، باعتبار هذه القوة شريكًا في مواجهة المشروع الإيراني، وفي صياغة مستقبل إقليمي يرتكز على الهوية العربية والأمن المشترك.

من ناحية التنظيم، أثبتت التظاهرة مستوى عاليًا من الانضباط والإدارة والسيطرة، ما يعكس قدرة المقاومة الوطنية ومكتبها السياسي على التخطيط وتأمين حضور جماهيري بهذا الحجم دون فوضى أو ارتباك. هذه القدرة التنظيمية تمثل عنصرًا أساسيًا في إعادة بناء الثقة الشعبية بالمؤسسات الوطنية، وتحويل الحراك الجماهيري إلى طاقة سياسية يمكن توظيفها في معادلة التحرير والبناء.

تظاهرة المخا ليست حدثًا عابرًا أو معزولًا، بل تمثل نقطة انطلاق لاستراتيجية وطنية جديدة عنوانها "إحياء المشروع الجمهوري". فاليمن اليوم أمام تحول واضح، ينتقل من رد الفعل العسكري إلى الفعل السياسي المنظم، ومن خطاب الأزمة إلى خطاب الدولة اليمنية القوية، المعنية بالمعركة الجمهورية وبناء الوطن الجديد، الذي يتسع لجميع أبنائه ويضمن لهم المساواة في الحقوق والواجبات تحت النظام والقانون.