من الساحل الغربي إلى الخليج العربي... مصيرنا واحد

منذ ساعة

لم تعد المعركة في اليمن شأناً محلياً يمكن احتواؤه داخل حدوده الجغرافية، بل تحولت إلى خط تماس متقدم في معادلة الأمن الإقليمي العربي، حيث تتقاطع الإرادات، وتُختبر موازين القوة، وتُرسم ملامح مرحلة جديدة عنوانها الشراكة في مواجهة التحديات المشتركة.

في هذا السياق، جاءت تغريدة الفريق الركن طارق محمد عبدالله صالح عن التظاهرة الحاشدة في الساحل الغربي لتعكس تحولاً لافتاً في طبيعة الخطاب السياسي المرتبط بالصراع في اليمن؛ إذ لم تعد المعركة تُقدَّم بوصفها نزاعاً داخلياً معزولاً، بل كجزء من مشهد إقليمي أوسع، تتقاطع فيه اعتبارات الأمن القومي العربي مع تحديات النفوذ والصراع على موازين القوة. فالمشهد الشعبي الذي خرج إلى الشارع لم يكن مجرد تعبير احتجاجي، بل حمل في مضمونه رسالة سياسية عميقة، تعكس إدراكاً متنامياً لدى اليمنيين بأن ما يواجهونه يتجاوز حدودهم الجغرافية، ويمتد ليطال بنية النظام الإقليمي برمّته.

هذا الوعي المتصاعد يعيد تعريف موقع اليمن في معادلة الأمن الإقليمي، ويمنح الحراك الشعبي بُعداً استراتيجياً، حيث يصبح جزءاً من جبهة أوسع تسعى إلى استعادة التوازن في مواجهة مشاريع عابرة للحدود، تعتمد على أدوات غير تقليدية لفرض النفوذ.
ومن هنا، فإن الإشارة إلى طبيعة هذا المشروع لا تأتي في سياق تعبوي فحسب، بل كقراءة سياسية لنمط متكرر من السلوك الذي استهدف أكثر من ساحة عربية، الأمر الذي يعزز القناعة بأن التعامل معه يتطلب مقاربة جماعية تتجاوز الحلول الجزئية.

في هذا الإطار، يتضح أن الخطاب الصادر عن الفريق الركن طارق صالح لم يعد موجهاً إلى الداخل اليمني فحسب، بل أصبح يحمل أبعاداً دبلوماسية محسوبة، تسعى إلى مخاطبة الأشقاء في دول الخليج العربي بلغة المصالح المشتركة والتحديات المتداخلة. فاليمن، بحكم موقعه الجيوسياسي، يشكل عمقاً استراتيجياً لأمن الخليج، وأي اختلال في توازنه ينعكس بصورة مباشرة على استقرار المنطقة بأكملها، وهو ما يجعل دعم استقراره جزءاً من معادلة الأمن الجماعي، لا خياراً سياسياً عابراً.

وإذا ما نظرنا إلى التطورات الأخيرة في المنطقة، فإنها تشير بوضوح إلى أن المرحلة القادمة لن تكون امتداداً تقليدياً لما سبق، بل لحظة إعادة تشكّل إقليمي قد تعيد ترتيب أولويات وتحالفات دول الخليج وجنوب غرب الجزيرة العربية ومضيق باب المندب. فالتحديات المتزايدة، وطبيعة التهديدات المشتركة، تدفع باتجاه بناء مقاربة أكثر تماسكاً، قائمة على وحدة الرؤية وتكامل الأدوار، وهو ما يفتح المجال أمام نشوء حالة من اللُّحمة السياسية والاستراتيجية بين هذه الدول، تتجاوز التنسيق الظرفي إلى مستوى الشراكة العميقة في مواجهة المخاطر.

إن ما يتبلور في الأفق ليس مجرد اصطفاف مرحلي، بل ملامح تكتل إقليمي أكثر صلابة، يقوم على إدراك مشترك بأن المصير واحد، وأن الأمن الإقليمي لم يعد قابلاً للتجزئة. وفي هذا الإطار، تكتسب الرسائل الصادرة من الداخل اليمني، سواء عبر الحراك الشعبي أو الخطاب السياسي، أهمية مضاعفة؛ لأنها تعكس استعداداً للاندماج في هذه الرؤية الجماعية، وتؤكد أن اليمن ليس عبئاً على محيطه، بل شريك فاعل في معادلة الاستقرار الإقليمي.

وبذلك، يمكن قراءة تظاهرة الساحل الغربي بوصفها لحظة كاشفة، لا فقط لطبيعة الصراع، بل أيضاً للاتجاه الذي تمضي إليه المنطقة، حيث تتقاطع الإرادة الشعبية مع الحسابات الاستراتيجية، لتؤسس لمرحلة جديدة عنوانها التماسك الإقليمي، ووحدة القضية، واستشعار المصير المشترك.