إيران تشتري الهدنة ولبنان يدفع الثمن!
في كل مرة تشتد فيها الضغوط على إيران، تبحث عن مخرج يحفظ مصالحها ويخفف عنها كلفة المواجهة، لكنها نادر ما تدفع الثمن بنفسها. هناك ساحة بديلة، وبلد آخر يتحمل عبء هذه التفاهمات، وغالبًا ما يكون لبنان هو الحلقة الأضعف في هذه المعادلة.
المشهد بات مألوفًا: تهدئة تطبخ في الكواليس، ورسائل سياسية تمرر عبر الوسطاء، ثم فجأة تتغير وتيرة التصعيد، ولكن ليس في طهران، بل في بيروت. وكأن الهدنة التي تشترى لإيران تسدد فاتورتها من دم اللبنانيين واستقرار بلدهم الهش.
إيران تدير صراعها بعقل بارد، توازن بين المكاسب والخسائر، وتعرف متى تتراجع ومتى تصعد. لكنها في كثير من الأحيان لا تتراجع وحدها، بل تُبقي على أوراقها مشتعلة في ساحات أخرى. ولبنان، بحكم موقعه وتركيبته السياسية وتعقيداته الداخلية، يتحول إلى ساحة جاهزة لتلقي الضربات أو إرسال الرسائل.
المؤلم في هذه المعادلة أن لبنان لا يملك القرار الكامل. فهو عالق بين صراعات إقليمية أكبر منه، وبين قوى داخلية مرتبطة بحسابات خارجية. وعندما تقرر إيران خفض التصعيد لحماية نفسها، لا يعني ذلك نهاية التوتر، بل قد يكون مجرد نقل له إلى مكان آخر، حيث يكون الثمن أقل عليها، وأعلى على الآخرين.
صحيح أن الهدنة بالنسبة لإيران إعادة تموضع. أما بالنسبة للبنان، فهي بداية مرحلة جديدة من القلق وعدم الاستقرار.
السؤال الذي يطرح نفسه بقوة: إلى متى سيبقى لبنان ورقة في يد الآخرين؟ وإلى متى تستمر هذه المعادلة التي تنقذ طرفًا وتغرق آخر؟
إن استمرار هذا النهج لا يعني استنزاف لبنان فقط، بل يهدد فكرة الدولة نفسها، ويعمق من أزماته السياسية والاقتصادية والأمنية.
قد تنجح إيران في شراء هدنة هنا أو هناك، لكنها هدنة مؤقتة بطبيعتها. أما الثمن الذي يدفعه لبنان، فهو حقيقي، يومي، ومؤلم يدفعه شعب يبحث فقط عن حياة طبيعية، في وطن أنهكته صراعات الآخرين.