تعز.. سماء تجود بالمطر وجشع يحبس الأثر: لماذا لا ترخص صهاريج المياه؟
- تعز، الساحل الغربي، تقرير/ هاشم علي:
- منذ ساعتين
تشهد مدينة تعز حالة من التذمر الشعبي المتصاعد نتيجة استمرار ارتفاع أسعار مياه الوايتات، رغم هطول الأمطار خلال الفترة الأخيرة وتوفر كميات إضافية من مصادر المياه السطحية في عدد من آبار المحافظة.
ويؤكد مواطنون أن هذه الوفرة الموسمية لم تنعكس على الواقع المعيشي، إذ لا تزال أسعار المياه عند مستويات مرتفعة تُثقل كاهل الأسر، في ظل أزمة اقتصادية ومعيشية خانقة تعيشها المدينة منذ سنوات.
ويشير السكان إلى أن سعر وايت المياه سعة 6 آلاف لتر ما يزال يُباع بنحو 60 ألف ريال يمني، وهو السعر ذاته الذي كان معمولًا به خلال فترات شح المياه الحاد، ما يثير تساؤلات واسعة حول آليات التسعير المعتمدة في السوق، ومدى وجود رقابة فعلية على نشاط موزعي المياه في المدينة.
استمرار الأزمة
يقول عدد من المواطنين إن موسم الأمطار عادةً ما يخفف من حدة أزمة المياه في العديد من المدن، إلا أن الواقع في تعز مختلف، حيث يستمر الاعتماد الكبير على الوايتات كمصدر رئيسي لتأمين مياه الشرب والاستخدام المنزلي، حتى في ظل تحسن نسبي في توفر المياه الجوفية أو السطحية.
ويضيف محمد سيف، في حي الروضة، أن أصحاب الوايتات لم يغيروا تسعيرة البيع رغم انخفاض تكاليف الحصول على المياه في بعض المناطق، معتبرًا أن السوق يخضع لآليات غير منضبطة، وأن غياب الرقابة الرسمية سمح باستمرار الأسعار المرتفعة دون مبرر واضح.
ويؤكد سيف، في حديثه لـ"الساحل الغربي"، أن "سعر الوايت لم يتغير منذ سنوات، حتى عندما تهطل الأمطار وتتحسن مصادر المياه، لا نجد أي انخفاض، وكأن السعر لا علاقة له بالعرض والطلب"، مشيرًا إلى أن الأسر باتت تنفق جزءًا كبيرًا من دخلها الشهري على شراء المياه فقط.
ويشير إلى أن "أيام الأزمة وشح المياه، يتشرط موزعو صهاريج المياه ويتحكمون في الأسعار، فالصهريج الواحد سعة 6 آلاف لتر، يتم توصيله للمواطن بأكثر من 80 ألفًا وقد يصل إلى 100 ألف في ذروة الأزمة، لكن سنويًا على الأقل كان يعود إلى 30 أو 40 ألفاً، أما هذا العام مثبتين السعر عند سعر 60 ألفًا، مع العلم أن هذا المبلغ نفسه الذي قررته السلطة المحلية أيام الأزمة ولم يلتزم به موزعي الوايتات".
عبء اقتصادي
يشكل استمرار ارتفاع أسعار المياه عبئًا إضافيًا على سكان المدينة الذين يعانون من وضع معيشي واقتصادي صعب، وارتفاع أسعار المواد الغذائية والوقود والخدمات الأساسية، وبحسب حديث الأهالي فإن تكلفة المياه باتت تستهلك نسبة كبيرة من الدخل اليومي، خاصة لدى الأسر الكبيرة أو تلك التي تعيش في مناطق مرتفعة تعتمد بشكل كامل على نقل المياه عبر الوايتات.
ويشير مواطنون إلى أن بعض الأسر تضطر إلى تقليل استهلاكها اليومي من المياه أو الاعتماد على مصادر غير آمنة أحيانًا، في محاولة لتخفيف الأعباء المالية، وهو ما يثير مخاوف صحية متزايدة، خصوصًا في ظل غياب حلول مستدامة لأزمة المياه في المدينة.
ويؤكد سكان في أحياء متفرقة أن الأسعار لا تتأثر بمستوى توفر المياه أو بعدد الرحلات التي يقوم بها الوايت، بل تبقى ثابتة وفق تسعيرة غير معلنة، يتم فرضها بشكل فعلي في السوق، دون وجود جهة رقابية تتابع أو تضبط هذه العمليات.
غياب الرقابة
يُجمع عدد من الأهالي على أن أحد أبرز أسباب استمرار الأزمة هو غياب الرقابة الفعلية على قطاع توزيع المياه، سواء من الجهات المحلية أو الجهات المعنية بخدمات المياه، مشيرين إلى أن السوق يعمل وفق آليات شبه عشوائية، حيث يحدد أصحاب الوايتات الأسعار بشكل فردي أو جماعي دون وجود مرجعية رسمية ملزمة.
ويضيف مراقبون أن قطاع المياه في تعز يعاني من اختلالات هيكلية عميقة، تشمل ضعف البنية التحتية، وتراجع شبكات الإمداد الرسمية، واعتماد شريحة واسعة من السكان على القطاع الخاص غير المنظم، ما يفتح المجال أمام تفاوت كبير في الأسعار واستغلال حاجة المواطنين.
ويرى خبراء أن استمرار هذا الوضع دون تدخل جاد من السلطات قد يؤدي إلى مزيد من الفوضى في التسعير، خاصة مع تزايد الطلب على المياه في مواسم الجفاف أو خلال فترات انقطاع الشبكات العامة.
قواعد السوق
رغم الأمطار التي شهدتها المدينة خلال الأيام الأخيرة، والتي أسهمت في امتلاء بعض الحواجز المائية وتحسن محدود في بعض المصادر، إلا أن ذلك لم ينعكس على أسعار المياه في السوق.. يؤكد مواطنون أن الفجوة بين توفر المياه وأسعارها باتت كبيرة وغير مبررة، خصوصًا مع استمرار الأسعار عند مستويات مرتفعة.
ويشير بعض العاملين في نقل المياه إلى أن تكاليف التشغيل، مثل الوقود والصيانة، لا تزال مرتفعة، ما يُستخدم مبررًا لعدم تخفيض الأسعار، إلا أن مواطنين يرون أن هذا التبرير لا يعكس الواقع بالكامل، خاصة في فترات تحسن مصادر المياه، حيث يفترض أن تنخفض الكلفة الإجمالية للتشغيل.
مطالب شعبية
في ظل هذا الوضع، تتزايد المطالب الشعبية بضرورة تدخل السلطات المحلية لوضع آلية واضحة لتسعير المياه، وربط الأسعار بمحددات حقيقية تشمل تكلفة النقل والتشغيل وحجم الطلب، إضافة إلى تفعيل الرقابة الميدانية على نشاط الوايتات.
كما يدعو السكان إلى إنشاء نظام إشراف مباشر على توزيع المياه، أو دعم مشاريع مياه رسمية تخفف من اعتماد المواطنين على السوق الخاص، الذي يصفه كثيرون بأنه غير منظم ويخضع للاجتهادات الفردية.
ويؤكد ناشطون أن أزمة المياه في تعز لم تعد مجرد مشكلة خدمية، بل تحولت إلى قضية معيشية وإنسانية تمس حياة مئات الآلاف من السكان، وتتطلب حلولًا مستدامة تتجاوز المعالجات المؤقتة.
أزمة ممتدة.. حلول مؤجلة
تُعد أزمة المياه في تعز من أبرز التحديات الخدمية التي تواجه المدينة منذ سنوات، نتيجة تضرر البنية التحتية وشبكات المياه، إلى جانب النمو السكاني المتزايد والضغط على الموارد المحدودة، ومع استمرار الاعتماد على الوايتات كمصدر رئيسي، تبقى مسألة التسعير واحدة من أكثر القضايا حساسية وإثارة للجدل.
ويحذر مختصون من أن استمرار غياب الحلول الجذرية سيبقي المواطنين في دائرة الاستنزاف المالي المستمر، حيث تتحول المياه من خدمة أساسية إلى سلعة خاضعة لمزاج السوق، ما يفاقم من معاناة السكان اليومية.
وفي ظل هذه المعطيات، تبقى دعوات المواطنين قائمة بضرورة إيجاد تدخل جاد يعيد تنظيم قطاع المياه، ويضمن وصولها بأسعار عادلة تتناسب مع الظروف الاقتصادية الصعبة التي تعيشها المدينة، خاصة مع استمرار التحديات المعيشية وتراجع الخدمات الأساسية.