استقرار اليمن وأمن البحر الأحمر في ظل الحرب الإقليمية والحصار في الخليج العربي
هل أصبح البحر الأحمر رهينة لسيادة غائبة تتنازعها الدولة الضعيفة والمليشيات المسلحة والتدويل المتسارع من قبل إيران وذراعها الحوثي؟ لا يمكن مقاربة أزمة البحر الأحمر في ظل الحرب والحصار الأمريكي الإيراني بوصفها مجرد اضطراب أمني عابر أو انعكاس لتوترات دولية ظرفية، بل هي في جوهرها نتيجة مباشرة لغياب الدولة بوصفها الإطار السيادي الضامن للاستقرار، فالممرات البحرية لا تُؤمَّن بالقوة الدولية وحدها، وإنما بوجود دولة قادرة على فرض سلطتها على البر قبل البحر، واليمن يقدم النموذج الأكثر وضوحاً لهذه المعادلة، حيث يتحول الفراغ السيادي إلى مصدر تهديد عابر للحدود يمتد أثره من مضيق باب المندب إلى قناة السويس وصولاً إلى منظومة التجارة العالمية.
منذ انقلاب جماعة الحوثي عام 2014، لم يعد الساحل الغربي لليمن مجرد امتداد جغرافي للدولة، بل تحول إلى مساحة خارجة عن السيطرة السيادية، أُعيد توظيفها ضمن منطق الفاعل المسلح الذي يعمل خارج قواعد الدولة، هذا التحول لم يبق محلياً، بل سرعان ما أخذ بعداً دولياً مع استخدام الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة لتهديد الملاحة، وهو ما نقل اليمن من ساحة نزاع داخلي إلى منصة ضغط إقليمي ودولي، حيث لم يعد التهديد مرتبطاً بقدرة تقليدية على خوض حرب، بل بقدرة منخفضة الكلفة عالية التأثير، يكفي فيها استهداف محدود أو حتى التلويح به لرفع كلفة التأمين وإرباك سلاسل الإمداد، وهو ما ينعكس مباشرة على اقتصادات المنطقة وسلاسل الإمداد الدولية.
هذا التحول يكشف أن غياب الدولة لا يخلق فراغاً محلياً فحسب، بل يعيد إنتاج الجغرافيا كأداة تهديد، حيث تتحول السواحل التي يفترض أن تكون نقاط حماية للتجارة إلى منصات لتعطيلها، وتتحول الموانئ التي يُفترض أن تكون بوابات اقتصادية إلى أدوات عسكرية، وفي هذه البيئة لا يعود الفاعل المسلح طرفاً داخلياً فقط، بل يتحول إلى لاعب ضمن شبكة صراع إقليمي، كما يتضح من طبيعة الدعم الإيراني المستمر لمليشيات الحوثي، الذي شمل نقل الخبرات والتقنيات، بما أدى إلى إعادة تشكيل قدرات الجماعة وتحويلها إلى أداة ضغط تتجاوز حدود اليمن.
غير أن الإشكالية لا تتعلق بصعود هذا الفاعل فقط، بل باستمرار بقائه، رغم ما يقارب عقداً من التدخل العسكري الذي قادته المملكة العربية السعودية ضمن تحالف عربي، وهنا تبرز أزمة بنيوية تتجاوز التفسير العسكري، إذ عانت الحكومة الشرعية من ضعف الحضور المؤسسي والتشتت الجغرافي وغياب نموذج حكم منافس، في مقابل نجاح الحوثيين في ترسيخ أنماط حكم محلية وظيفية بالحد الأدنى، وهو ما يعكس أن الشرعية لا تُستمد فقط من الاعتراف الدولي، بل من القدرة على إدارة الحياة اليومية.
وفي هذا السياق، لا يمكن فصل البعد القبلي والأيديولوجي عن معادلة الصراع، فقد نجحت الجماعة الحوثية في توظيف الموروث الاجتماعي والقبلي ضمن إطار تعبوي شبه متماسك، في حين بقي خطاب الدولة الشرعية مفككاً وغير قادر على اختراق هذه البنية، بما منح الجماعة قدرة على إعادة إنتاج نفسها اجتماعياً وليس عسكرياً فقط، ما عمّق الفجوة بين الشرعية السياسية والفاعلية الواقعية، وهي الفجوة التي سمحت بإعادة إنتاج الأزمة وتحويلها من صراع على السلطة إلى صراع على طبيعة الدولة.
مع تصاعد التهديدات للملاحة، لم يعد المجتمع الدولي يتعامل مع اليمن كأزمة داخلية، بل كجزء من منظومة أمن دولي مهددة، وهو ما يفسر بروز عملية "حارس الازدهار" بقيادة الولايات المتحدة، وهي تحالف بحري دولي يهدف إلى حماية الملاحة، هذه العمليات تعكس تحولاً في إدراك الخطر، لكنها تكشف أيضاً حدود المقاربة الدولية، إذ تركز على حماية الممرات في البحر دون معالجة جذور التهديد على اليابسة، فالقوة البحرية تستطيع مرافقة السفن، لكنها لا تستطيع تفكيك بنية الفاعل المسلح أو إعادة بناء الدولة.
هذا الواقع فرض تحولاً في الاستراتيجية السعودية من السعي إلى الحسم العسكري إلى إدارة التوازنات عبر التهدئة ومحاولات التسوية، إدراكاً أن الحل العسكري وحده غير كافٍ، وأن استمرار الحرب دون أفق سياسي يعمّق التفكك، لكنه يطرح معضلة أساسية تتمثل في أن أي تسوية لا تعالج القدرات العسكرية للحوثيين ستبقي التهديد قائماً ولو بصورة مؤجلة، ما يعني أن التهدئة قد تتحول إلى إعادة تدوير للأزمة بصيغ مؤجلة لا إلى إنهائها.
وفي ظل الحرب والحصار في مضيق هرمز، والتصعيد في منطقة الخليج العربي، يصبح مضيق باب المندب امتداداً مباشراً لمعادلة الضغط الإقليمي، بما يضاعف من تأثير الحصار الأمريكي على إيران، خاصة مع استمرار تهديد الأخيرة باستخدام ورقة المليشيات الحوثية، وهو ما يعكس ترابط المسارح البحرية من الخليج العربي إلى البحر الأحمر ضمن بنية صراع واحدة.
وفي ضوء كل ذلك، لا يمكن الحديث عن استقرار حقيقي في المنطقة والبحر الأحمر وخليج عدن ومضيق باب المندب دون الانتقال من منطق إدارة الأزمة إلى منطق إعادة بناء الدولة وفرض سيطرتها على كامل التراب اليمني وحصر امتلاك السلاح بيدها، وهو انتقال يتطلب مسارات متوازية تبدأ بإعادة هيكلة المؤسسة العسكرية على أسس وطنية موحدة بما ينهي تعدد مراكز القوة، وتمتد إلى استعادة السيطرة على الساحل الغربي كهدف أمني وإداري واقتصادي، بما يعيد بناء الثقة بين الدولة والمجتمع ويؤسس لمرحلة استقرار مستدام، كما يتطلب بناء شراكة إقليمية قائمة على الدعم دون وصاية، بحيث تكون الدولة هي الإطار الحاكم لها.
وفي هذا الإطار، تبرز أهمية إعادة تعريف الدور الدبلوماسي للحكومة الشرعية لتقديم نفسها كفاعل مسؤول في تأمين الممرات الدولية، وليس فقط كطرف في نزاع داخلي، بما يتيح توجيه الدعم الدولي نحو بناء المؤسسات بدلاً من الاكتفاء بإدارة المخاطر، كما أن معالجة البعد الاقتصادي والخدمي تمثل حجر الزاوية في استعادة الدولة، لأن الفراغ الخدمي هو ما يسمح للفاعلين المسلحين بإعادة إنتاج شرعيتهم.
المعادلة في اليمن لم تعد معادلة حرب تقليدية، بل بنية مركبة تتداخل فيها الدولة الضعيفة، والفاعل المسلح المدعوم إقليمياً، والتدخل الإقليمي، والتدويل المتزايد، ويتمحور ذلك حول عقدة جغرافية حاكمة تمثل محوراً في النظام التجاري العالمي وهي باب المندب، ومن هنا فإن استقرار البحر الأحمر لا يمكن فصله عن استعادة الدولة اليمنية، فإما دولة قادرة تفرض سيادتها وتعيد إنتاج الاستقرار، أو استمرار تعدد مراكز القوة وتحول السواحل إلى منصات تهديد، وبقاء هذا الممر الحيوي رهينة للصراع بدلاً من أن يكون جسراً آمناً للتجارة العالمية.