"هندسة الجوع وتفخيخ العقول".. كيف سقطت قلاع الوعي في فخ الإعواز الحوثي؟
- الساحل الغربي، تقرير/ أحمد حوذان:
- منذ 4 ساعات
بين جدران المنازل الصامتة في صنعاء وبقية المحافظات الواقعة تحت قبضة الميليشيا، يختبئ انكسار لم تدونه دفاتر التاريخ العسكري، لكنه الأخطر على مستقبل اليمن. إنه انكسار "النخبة المثقفة" التي تحولت بفعل سياسة التجويع الممنهج من "حارسة للوعي" إلى "فريسة للحاجة". يتساءل الكثيرون بحرقة: كيف انجرف المثقفون؟ وكيف استسلم أصحاب الشهادات العليا لتقديم فلذات أكبادهم إلى محاضن طائفية تفخخ عقولهم؟ الإجابة لا تكمن في قناعة الفكر، بل في "هندسة الجوع" التي أتقنتها مليشيا الحوثي على مدار عقد من الزمان.
من الراتب إلى المقعد.. رحلة السقوط الإجباري
تبدأ الحكاية من تاريخ مفصلي في سبتمبر 2016، حين قررت الميليشيا تجفيف منابع الرواتب وتجيير إيرادات الدولة من ضرائب وجمارك واتصالات لصالح مشروعها السلالي. ذلك الموظف الذي كان يعيش بكرامته، يمتلك بيتاً ووظيفة ويخطط لمستقبل أبنائه، وجد نفسه فجأة "مقعداً" في بيته بلا حول ولا قوة. تحولت الشوارع التي كانت تعج بالحياة إلى شبكات معقدة من المخبرين وعقال الحارات، حيث صار الجار يتوجس من جاره، وأصبح "المشرف" هو الآمر والناهي في أدق تفاصيل الحياة اليومية.
في هذا الفراغ الموحش، غابت الأحزاب وتوارت المنظمات الإنسانية، وجفّت أيدي فاعلي الخير والتجار الذين طالتهم سياط الجبايات والمصادرات. لم يتبقَّ في الميدان سوى "المال المنهوب" بيد الميليشيا، وهو المال الذي وصفه الكثيرون بأنه أصبح "عصب الحياة المسموم". هنا، بدأت الجماعة مقايضة الوجود بالولاء، مستغلة الفاقة والعوز لترويض النفوس الأبية التي أضناها التعب.
المراكز الصيفية.. استثمار في الرمق الأخير
حين يطول أمد الصراع، وتتحول الجماعة إلى "كلب عقور" يلتهم كل ما حوله، تصبح الحاجة هي البوابة الملكية لتمرير الأيديولوجيا. يبرز هنا دور "المراكز الصيفية" التي لم تعد مجرد محاضن تعليمية، بل تحولت إلى أدوات لإعادة صياغة الهوية الوطنية. وحسب ما فنده الدكتور بندر الخدري، أستاذ أصول التربية بجامعة إقليم سبأ، فإن الجماعة تدير عملية "تزييف وعي" واسعة النطاق، مستبدلة الوعي الوطني الأصيل بآخر "شاذ" فكرياً وسياسياً.
وتكشف المعلومات الميدانية أن الانضمام لهذه المراكز لم يعد اختياراً فكرياً في الغالب، بل هو "صفقة اضطرار". فالمبالغ المالية التي تقدمها الجماعة للملتحقين، والتي قد تصل إلى 100 ألف ريال (بالعملة القديمة)، تمثل لأسرة معدمة ثمن البقاء على قيد الحياة لشهر إضافي. هذا الاستغلال البشع لحاجة الآباء هو ما دفع ببعض المثقفين، تحت وطأة انكسار النفس أمام جوع الأطفال، إلى إرسال أبنائهم لتلك المحاضن، وهم يدركون في قرارة أنفسهم أنهم يقدمونهم لـ "غسيل دماغ" ممنهج.
ألغام فكرية تحت غطاء "الإنسانية"
وفي الوقت الذي يحذر فيه خبراء تربويون، ومنهم عبد الله العطار مدير الإعلام التربوي في مأرب، من أن هذه "الألغام الفكرية" ستكون أكثر فتكاً من الألغام الأرضية التي زرعتها الميليشيا في ربوع اليمن، يبرز تساؤل مرير حول دور المجتمع الدولي. ثمة شعور طاغٍ بالخذلان لدى السكان في مناطق سيطرة الحوثي؛ فالمجتمع الدولي والأمم المتحدة، الذين أوقفوا الحسم العسكري في الحديدة وأطراف صنعاء تحت لافتة "الإنسانية"، يلتزمون الصمت اليوم أمام أبشع جرائم الإبادة الفكرية وتفخيخ الأجيال.
إن ما يحدث اليوم في مناطق سيطرة الحوثي يتجاوز القمع السياسي إلى "الاستعباد الاقتصادي" الذي يتبعه "التجنيد الإيديولوجي". الجماعة تدرك أن السيطرة على العقول تبدأ من السيطرة على البطون، ولذلك هي مستمرة في تدمير ما تبقى من أمل في حياة مدنية.
معركة الوجود
لقد نجحت الميليشيا في تحويل "الحاجة" إلى سلاح دمار شامل، واستخدمت "الفاقة" كجسر لتقديم أبناء الفئات المثقفة إلى محارقها الفكرية والميدانية. إن المشهد اليوم يضع الجميع أمام حقيقة قاسية: اليمن لا يواجه ميليشيا مسلحة فحسب، بل يواجه مشروعاً يهدف لاستئصال الهوية اليمنية من جذورها عبر "تجويع الكبار وتفخيخ الصغار". وبدون ضغط حقيقي ينهي هذا الصلف الإرهابي، أو تحرك جاد لاستعادة الدولة المخطوفة، سيبقى جيل كامل رهينة لمشروع لا يرى في الإنسان إلا وقوداً لحروبه التي لا تنتهي.