استغلال أسطح المدارس.. استثمار خاص يتمدّد فوق المرافق العامة بتعز
- تعز، الساحل الغربي، تقرير/ هاشم علي:
- منذ يوم
في مدينة تعز، حيث تتفاقم أزمة الكهرباء منذ سنوات، لم تعد حلول الطاقة البديلة مجرد استجابة ظرفية لاحتياجات السكان، بل تحوّلت إلى بوابة لاستثمارات خاصة تتوسع على حساب الأصول العامة.
وفي تطور لافت، برزت ظاهرة استغلال أسطح المدارس الحكومية لإنشاء منظومات طاقة شمسية تابعة لشركات كهرباء تجارية، في مشهد يعكس تحوّلاً في وظيفة هذه المرافق من فضاءات تعليمية إلى منصات ربحية، وسط غياب واضح للرقابة والشفافية.
يقول ناشطون إن هذه الظاهرة لا يمكن قراءتها بمعزل عن السياق العام الذي تعيشه المدينة، حيث أدت الحرب والانهيار المستمر في خدمات الدولة إلى فتح المجال أمام القطاع الخاص لملء الفراغ، خصوصًا في قطاع الكهرباء.
ويستطرد كثيرون أن ما يجري اليوم يتجاوز فكرة تقديم خدمة بديلة، ليدخل في إطار استغلال ممتلكات الدولة نفسها لتحقيق مكاسب تجارية، دون وضوح في الأسس القانونية أو الإدارية التي تتيح ذلك.
تحوّل مفاجئ
خلال الأشهر الماضية، شهدت عدد من المدارس الحكومية في تعز عمليات تركيب منظومات طاقة شمسية على أسطحها، من بينها مدرسة 26 سبتمبر في شارع المرور، ومدرسة اليرموك في منطقة الدحي.
تحدثت مصادر خاصة لـ "الساحل الغربي"، إن هذه المنظومات تعود لشركات كهرباء خاصة تقوم باستخدام هذه المواقع لتوليد الطاقة وبيعها للمواطنين عبر شبكات توزيع خاصة.
وتضيف: "الألواح الشمسية الموجودة على أسطح المدرستين تعود إلى شركة "الأنوار"، وهي إحدى شركات الكهرباء التجارية في المدينة". وتشير إلى أن الشركة وضعت الألواح قبل شهرين، حيث قدمت الشركة للمدرسة كاميرات مراقبة وحواسيب، كما قامت بصرف مبلغ مالي بسيط للمعلمين".
هذا التحول يطرح تساؤلات جوهرية حول طبيعة استخدام المرافق التعليمية، إذ يفترض أن تبقى هذه المؤسسات مخصصة للعملية التعليمية فقط، لا أن تتحول إلى منصات استثمارية، وسط تحذيرات ومخاوف تتعلق بسلامة البيئة المدرسية، في ظل وجود تجهيزات فنية ومعدات كهربائية فوق أسطح مدارس يرتادها طلاب بشكل يومي.
فيما استغرب ناشطون من غياب أي إعلان رسمي أو توضيح الجهات المعنية حول كيفية منح هذه المواقع لشركات خاصة، الأمر الذي يعزز الشكوك حول ترتيبات غير شفافة، قد تكون بعيدة عن الأطر القانونية المنظمة لإدارة الأصول العامة.
تداخل المصالح
غياب الشفافية
يعكس استخدام أسطح المدارس من قبل شركات الكهرباء الخاصة مستوى متقدمًا من التداخل بين القطاع العام والمصالح التجارية؛ فبدلاً من أن تكون هذه المرافق تحت إدارة حصرية للدولة، أصبحت جزءًا من منظومة استثمارية غير معلنة، تستفيد منها جهات خاصة دون وضوح في العوائد التي تعود على المرفق العام أو المجتمع.
ويشير مختصون إلى أن هذا النمط من الاستغلال قد يكون نتيجة مباشرة لضعف المؤسسات الرقابية، وغياب آليات فعالة لمساءلة الجهات التي تتصرف في ممتلكات الدولة، كما أن الظروف الاستثنائية التي فرضتها الحرب أسهمت في خلق بيئة تسمح بتمرير مثل هذه الترتيبات دون تدقيق كافٍ.
وفي هذا السياق، تتعزز المخاوف من أن تتحول هذه الظاهرة إلى نموذج متكرر، يمتد ليشمل مؤسسات حكومية أخرى، ما قد يؤدي إلى تفريغ المرافق العامة من وظائفها الأساسية، وتحويلها تدريجيًا إلى أدوات لتحقيق أرباح خاصة.
سوابق كثيرة
استغلال الشبكة العمومية
لا تعد هذه الممارسات سابقة معزولة، بل تأتي ضمن سياق ممتد من استغلال شركات الكهرباء الخاصة للبنية التحتية العامة؛ فمنذ السنوات الأولى للحرب، لجأت هذه الشركات إلى استخدام الشبكة العمومية لتوزيع الكهرباء وبيعها للمواطنين، في ظل غياب مؤسسات الدولة عن إدارة هذا القطاع الحيوي.
وتثير هذه الممارسات انتقادات واسعة، خاصة مع ارتفاع أسعار الخدمة، وغياب معايير واضحة للتسعير أو الجودة، ومع مرور الوقت، تحوّلت هذه الشركات إلى لاعب رئيسي في سوق الكهرباء التجارية، مستفيدة من حالة الفراغ المؤسسي، ومن ضعف الرقابة الحكومية.
اليوم، يبدو أن هذا النفوذ يتوسع ليشمل ليس فقط الشبكات، بل أيضًا المواقع والبنية التحتية، حيث أصبحت أسطح المدارس والمؤسسات الحكومية جزءًا من منظومة الإنتاج، وهو ما يعكس تطورًا نوعيًا في حجم الاستغلال، وانتقاله من استخدام الموارد إلى السيطرة على الأصول.
انعكاسات ومخاطر
يحمل هذا التحول جملة من التداعيات التي تتجاوز البعد الاقتصادي، لتشمل الجوانب الاجتماعية والتعليمية، فوجود منشآت طاقة فوق أسطح المدارس قد يثير مخاوف تتعلق بالسلامة، خاصة في حال غياب معايير واضحة للتركيب والصيانة.
كما أن تحويل المدارس إلى مواقع استثمارية قد يؤثر على بيئتها التعليمية، سواء من حيث الضوضاء أو حركة العاملين في هذه المشاريع، أو حتى من حيث الرسالة الرمزية التي يفترض أن تمثلها هذه المؤسسات كفضاءات عامة مخصصة للتعليم، لا للربح.
من جهة أخرى، يرى بعض المراقبين أن هذه الظاهرة تعكس خللاً أعمق في إدارة الموارد العامة، حيث يتم توظيف أصول الدولة لخدمة مصالح محدودة، دون أن ينعكس ذلك بشكل واضح على تحسين الخدمات أو تخفيف الأعباء عن المواطنين.
صمت رسمي
تساؤلات مفتوحة
لا يمكن إنكار أن أزمة الكهرباء في تعز خلقت حاجة ملحّة لحلول بديلة، وأن شركات الكهرباء الخاصة لعبت دورًا في سد جزء من هذا العجز، غير أن هذا الدور، بحسب مراقبين، يجب أن يكون منظمًا ضمن إطار قانوني واضح، يضمن تحقيق التوازن بين تلبية احتياجات السكان، وحماية الأصول العامة من الاستغلال.
ويؤكد مراقبون أن المشكلة لا تكمن في وجود استثمار خاص في قطاع الطاقة بحد ذاته، بل في طبيعة هذا الاستثمار، ومدى التزامه بالقوانين، وشفافيته، ومدى مساهمته في تحقيق منفعة عامة، لا مجرد أرباح تجارية.
وفي المقابل، لم تصدر الجهات الرسمية في تعز حتى اليوم، أي توضيحات بشأن هذه الظاهرة، سواء من حيث قانونيتها أو آليات تنظيمها، ما يترك المجال مفتوحًا أمام التأويلات.. هذا الصمت يعزز من حالة الغموض، ويدفع نحو مزيد من التساؤلات حول دور السلطات المحلية في حماية الممتلكات العامة، وضمان استخدامها بما يخدم المصلحة العامة.
ويطرح غياب الشفافية تحديات إضافية تتعلق بالمساءلة، إذ يصعب في ظل هذه الظروف تحديد الجهات المسؤولة عن اتخاذ مثل هذه القرارات، أو محاسبتها في حال ثبت وجود تجاوزات.