تطويق إيران واحتلال جنوب لبنان وصراخ الحوثي!

منذ ساعة

في أبريل 2026، لا يمكن فهم ما يجري في الشرق الأوسط دون التوقف أمام الحشد العسكري الأمريكي غير المسبوق، والذي بلغ نحو 60,000 جندي مدعومين بـ 3 حاملات طائرات في مسرح العمليات الإقليمي، في أكبر استعراض قوة منذ غزو العراق عام 2003. هذا الانتشار لا يعكس مجرد جاهزية، بل يكشف عن استراتيجية تطويق واضحة لإيران، وإعادة تشكيل موازين القوة عبر فرض واقع ميداني يتقدم على أي خطاب دبلوماسي.

تحت هذا الضغط، تبدو إيران في موقع الموت السريري الذي لم تعهده من قبل. خطابها لا يزال مرتفعاً، لكن تحركاتها باتت محكومة بحذر شديد، تبتعد عن المواجهة المباشرة وتبحث عن مخارج سياسية تقلل الخسائر. لم تعد طهران تمسك بزمام المبادرة، بل تحاول احتواء تداعيات ضربات أضعفت قدرتها على فرض معادلات جديدة. ما تسميه “صبراً استراتيجياً” ليس سوى إدارة تراجع محسوب.

في جنوب لبنان، تتجلى هذه الحقيقة بوضوح أكبر. إسرائيل لم تكتفِ بالضربات، بل فرضت واقعاً جديداً عبر السيطرة واحتلال ما يقارب 60 بلدة وقرية جنوبية، وتحويلها إلى شريط أمني منزوع السكان بعد عمليات تهجير واسعة وتفريغ ديموغرافي ممنهج. ما يجري ليس تقدماً مؤقتاً، بل إعادة رسم للجغرافيا بالقوة، في ظل عجز واضح عن إيقاف هذا التمدد.

حزب الله، الذي قدّم نفسه كقوة ردع، يجد نفسه أمام واقع مختلف. فهو لا لم يستطع ان يحسم معركة، ولا يفرض توازناً، بل يكتفي بإدارة اشتباك محدود لا يوقف الخسارة لقواته وعتاده ولا يستعيد الأرض. الفجوة بين الخطاب والنتيجة أصبحت مكشوفة، ومع اتساع الدمار وارتفاع كلفة المواجهة، يتحول تدريجياً من عنصر قوة إلى عبء على الداخل اللبناني.

أما في اليمن، فالمشهد أكثر وضوحاً من حيث التناقض بين الصوت والفعل. الحوثي يرفع سقف التهديد ويتحدث عن إغلاق باب المندب، لكنه يدرك حدود قدرته على التنفيذ. أي خطوة فعلية ستقابل برد عسكري قاسٍ، ما يجعل التهديد أقرب إلى أداة إعلامية منه إلى خيار استراتيجي. وهنا لم يتبقى لهذا المسخ واتباعه سوى “الصرخة” التي حولوها إلى بديل عن الفعل، لتعكس عجزاً أكثر مما تعكس قدرة.

الواقع يقول الان، انه لم يعد ما يسمى بمحور إيران تحالفاً متماسكاً، بل مجموعة أطراف تواجه أزماتها بشكل منفصل: إيران تتجنب المواجهة، حزب الله يُستنزف، والحوثي محاصر بين التهديد والواقع. التنسيق الذي كان يُقدَّم كقوة، انكشف أمام الضغوط الميدانية.

في المقابل، تتحرك الولايات المتحدة الامريكية وفق استراتيجية تطويق تدريجي تجاه ايران والمنطقة بشكل عام، تستخدم فيها القوة العسكرية لفرض مسار سياسي لاحق. فما يجري الان لم تعد حرباً شاملة، بل إدارة ضغط تعيد رسم حدود النفوذ في المنطقة.

الحقيقة أن الشرق الأوسط يعيش حالة “سيطرة بالقوة”، حيث تُفرض الوقائع أولاً ثم تُفسَّر سياسياً. وفي هذا المشهد، تسقط الأوهام سريعاً: فمن يملك القوة يحدد الاتجاه، ومن يفتقر إليها يكتفي بالصوت.

الخلاصة أن إيران لم تعد قادرة على فرض إيقاعها، وحزب الله يفقد قدرته على الردع، والحوثي يصرخ لأنه لا يملك أكثر من ذلك. وبين هذا وذاك، تتشكل معادلة جديدة عنوانها الواضح: القوة أولاً… وما عداها تفاصيل.