في ذكرى التأسيس… طارق صالح يعيد تعريف أولويات المعركة الجمهورية
جاءت تغريدة الفريق الركن طارق صالح في الذكرى الثامنة لتأسيس المقاومة الوطنية بوصفها أكثر من مجرد استدعاء لمناسبة تنظيمية أو خطاب احتفائي، بل أقرب إلى قراءة سياسية–عسكرية مكثفة لمسار الصراع اليمني، وإعادة ترتيب غير معلنة لأولويات المرحلة المقبلة.
فالمضمون الذي حملته هذه التغريدة يعكس انتقالًا واضحًا في التفكير الاستراتيجي لدى القوى المناهضة لمشروع الانقلاب الذي تقوده جماعة الحوثي، من مقاربة توازنات سياسية تقليدية إلى مقاربة تعتبر أن ميزان القوة على الأرض هو المدخل الحاسم لأي تسوية أو استعادة للدولة.
هذا التحول لا يمكن فصله عن طبيعة الصراع ذاته، الذي لم يعد نزاعًا سياسيًا داخليًا بالمعنى الكلاسيكي، بل أصبح صراعًا مركبًا تتداخل فيه الأيديولوجيا بالسلاح، والدعم الإقليمي بالمشروع السياسي. وفي هذا السياق، تصبح الأدوات السياسية وحدها غير كافية لإنتاج حل، ما لم تُسنَد بقدرة عسكرية قادرة على فرض معادلة توازن أو ردع.
من هنا يبرز جوهر الطرح الذي قدمه الفريق طارق صالح: إعادة الاعتبار للعامل العسكري ليس كبديل عن السياسة، بل كشرط سابق عليها في بيئة صراع مختلة التوازن. فغياب قوة منظمة وفعالة يجعل أي مسار تفاوضي عرضة للاختلال أو الاستنزاف أو إعادة إنتاج الأزمة بشكل جديد.
وخلال السنوات الماضية، شهدت التشكيلات المناهضة للحوثيين تحولًا تدريجيًا من حالة التشتت إلى محاولات بناء بنية عسكرية أكثر تنظيمًا. وقد ارتبط هذا التحول بعاملين رئيسيين: الأول إعادة تشكيل العقيدة العسكرية على أسس مؤسسية أكثر انضباطًا، والثاني الدعم الإقليمي الذي قدمته المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، سواء على مستوى التدريب أو التأهيل أو بناء القدرات.
لكن الأهم من هذا التطور هو أثره السياسي غير المباشر؛ إذ أسهم في خلق كيانات عسكرية أكثر تماسكًا، قادرة على العمل ضمن أهداف عملياتية مشتركة، وإن ظل المشهد العام يعاني من تعدد مراكز القرار وتباين الأولويات بين القوى المختلفة.
في هذا الإطار، تبرز القوات المسلحة اليمنية كمفهوم قيد إعادة التشكل، أكثر من كونها مؤسسة مكتملة التماسك، حيث تتوزع مكوناتها بين وحدات تقليدية وتشكيلات مستحدثة، ما يجعل عملية إعادة البناء العسكري جزءًا من معركة إعادة بناء الدولة نفسها.
أما المقاومة الوطنية، فقد نجحت في تقديم نموذج مختلف نسبيًا من حيث الانضباط والتنظيم والوضوح في الهوية العسكرية، وهو ما يمنحها ثقلًا يتجاوز بعدها الميداني إلى كونها أحد مكونات “الرافعة العسكرية” في معركة استعادة الدولة، لا مجرد فصيل في ساحة قتال.
ومع ذلك، يظل هذا المسار مفتوحًا على تحديات بنيوية، أبرزها أن التقدم العسكري، مهما كان مهمًا، لا يفضي تلقائيًا إلى استقرار سياسي. فالتجربة اليمنية خلال العقد الأخير تؤكد أن غياب إطار وطني جامع قادر على إدارة نتائج القوة يؤدي غالبًا إلى إعادة إنتاج الانقسام بأشكال مختلفة.
من هنا تصبح الإشارة إلى “المعركة الفاصلة” في الخطاب السياسي والعسكري تعبيرًا عن إدراك لمرحلة نضج في الصراع، لا بالضرورة إعلانًا عن قرب الحسم، بل عن انتقال نحو مرحلة تتطلب دمج المسارين العسكري والسياسي في رؤية واحدة، لا يعمل كل منهما بمعزل عن الآخر.
في المحصلة، يعكس خطاب الفريق طارق صالح إعادة ترتيب واضحة لمعادلة الصراع: فالقوة العسكرية تُقدَّم باعتبارها أساس التوازن، بينما تأتي السياسة كأداة لاحقة لإدارة ما تفرضه الوقائع على الأرض. وبين هذين المستويين، تتشكل ملامح المرحلة المقبلة من الصراع اليمني، مرحلة تتجه بثبات نحو اختبارٍ حاسمٍ لإرادة استعادة الدولة، وإعادة الاعتبار للجمهورية، وترسيخ معادلة القوة التي تفرض حضورها على مجريات المشهد واتجاهاته.