مسؤولو الشرعية يعيشون في الخارج ليعاقبوا من في الداخل
لم يعد مقبولًا أن تستمر الحكومة الشرعية اليمنية في ترديد خطاب الأعذار، بعد أن سقطت كل الشماعات التي طالما احتمت بها. حيث لم يعد هناك انتقالي “معرقل” تتخفى خلفه، ولا شماعة سياسية اخرى تُعلّق عليها فشلها. نصف عام مرّ على حكومة يُفترض أنها موحّدة القرار، مدعومة خارجيًا، ومحاطة بغطاء دولي واسع، ومع ذلك لا يزال المواطن اليمني في الداخل يرزح تحت وطأة أزمة اقتصادية خانقة، بلا أي تحسن يُذكر، وكأن هذه الحكومة لا تحكم واقعًا، بل تدير خطابًا فقط.
تثبيت سعر العملة الذي تروّج له الحكومة كإنجاز، لم يكن سوى رقمٍ بلا روح. فالأسواق لم تعترف به، والأسعار بقيت على حالها، بل وارتفعت في كثير من الأحيان. هذه الفجوة بين سعر الصرف وحقيقة الأسعار تكشف أن الحكومة لا تملك أدوات التأثير على السوق، ولا القدرة على فرض سياسات اقتصادية حقيقية. فالاقتصاد لا يُدار بالنشرات، بل بالثقة، وهذه الثقة مفقودة تمامًا. التاجر لا يصدق الاستقرار المؤقت، والمواطن لا يلمس أي فرق، والنتيجة أن الجميع يتعامل مع أسوأ الاحتمالات، بينما الحكومة تكتفي بالتصريحات الجوفاء.
أما الملف الأكثر حساسية، وهو النفط والغاز، فيكشف حجم العجز بوضوح أكبر. مناطق الإنتاج في مأرب وشبوة وحضرموت تقع نظريا تحت سيطرة الشرعية، لكنها عمليًا خارج الاستثمار الفعلي. توقّف التصدير لم يعد حدثًا طارئًا، بل تحول إلى حالة دائمة من الشلل، دون أن تقدّم الحكومة الشرعية أي حلول حقيقية لإعادة تشغيل هذا الشريان الحيوي. لا خطط بديلة، لا تحركات فعالة، فقط صمت يوازي حجم الخسارة. وهنا لا يمكن الحديث عن ظروف قاهرة بقدر ما هو فشل في الإدارة وغياب للرؤية.
وأمام هذا العجز، لم تجد الحكومة سوى الطريق الأسهل: جيب المواطن. فبدل أن تبحث عن إصلاحات جذرية، أو تعيد ترتيب أولويات الإنفاق، لجأت إلى رفع أسعار المشتقات النفطية والغاز، لتسد عجزها على حساب شعب أنهكته الأزمات. هذه ليست سياسة اقتصادية، بل اعتراف صريح بالإفلاس الإداري. المواطن الذي لا يجد قوت يومه، يُطلب منه أن يتحمّل المزيد، بينما لا يرى أي تحسن في الخدمات أو مستوى المعيشة.
لكن المفارقة الأكثر قسوة، أن من يصنع هذه القرارات لا يعيش تبعاتها. فمعظم مسؤولي الشرعية يقيمون خارج البلاد، مع أسرهم وأبنائهم، يعيشون في رغد العيش وبيئة مستقرة، وخدمات مكتملة، وحياة لا تشبه واقع اليمنيين في شيء. هناك، بعيدًا عن انقطاع الكهرباء، وارتفاع الأسعار، وانهيار الخدمات، تُتخذ قرارات تزيد من معاناة من هم في الداخل صامدين . وكأن السلطة لم تعد تمارس الحكم من أجل الناس، بل فوقهم، ومن خارج معاناتهم.
هذا الانفصال بين القرار والواقع ليس مجرد خلل إداري، بل أزمة أخلاقية وسياسية عميقة. كيف يمكن لمسؤول يعيش في نعيم الخارج أن يستشعر بألم الداخل؟ وكيف يمكن لحكومة لا تشارك شعبها معاناته أن تدّعي تمثيله؟ الحقيقة الصادمة أن المواطن اليمني لم يعد يشعر بوجود دولة تحميه، بل بسلطة تثقل كاهله، وتطالبه بالصبر بينما هي لا تعرف معنى المعاناة.
اليوم، لم يعد هناك مبرر واحد يمكن أن يُقبل. كل الظروف مهيأة، وكل الحجج سقطت، ولم يتبقَ سوى اختبار واحد: هل تستطيع هذه الحكومة أن تتحمل مسؤوليتها فعلًا؟ أم أنها ستستمر في إدارة الفشل، وترحيل الأزمات، وتحميل المواطن كل الأعباء؟
نقولها بوضوح: كفى. تحمّلوا مسؤولياتكم باقتدار، أو اتركوا المجال لمن يستطيع. فالشعب الذي يدفع الثمن يوميًا، لم يعد يحتمل مزيدًا من التجارب الفاشلة، ولا مزيدًا من القرارات التي تُصنع في الخارج لتُنفّذ كعقوبة في الداخل.