عبدالصمد القاضي… قتيل بلا قاتل
في مدينة تعز، لم يعد الاغتيال حادثًا استثنائيًا، بل تحول إلى نمط متكرر، وإلى رسالة يومية مفادها أن الدم رخيص، وأن الدولة—بمؤسساتها الأمنية—غائبة أو مغيّبة أو ربما متواطئة بالصمت. اغتيال الصحفي عبد الصمد القاضي ليس مجرد جريمة جنائية، بل شهادة دامغة على انهيار المنظومة الأمنية، وعجز—أو عجز متعمّد—لقيادة المحافظة عن فرض أي قدر من الهيبة أو القانون.
أي عبث هذا الذي يجعل الجريمة تتكرر في نفس المكان؟ نفس الموقع الذي سقطت فيه أفتهان المشهري، يعود ليبتلع روحًا جديدة، وكأن القتلة يوقّعون جرائمهم في “عنوان معروف” دون خوف أو حساب. هذه ليست صدفة، بل فضيحة أمنية مكتملة الأركان.
قيادة تعز، التي تتقن فن التصريحات والوعود، تبدو عاجزة عن إنتاج فعل حقيقي على الأرض. بيانات الإدانة لا تبني دولة، واللجان التي تُشكّل بعد كل جريمة لم تعد سوى غطاء روتيني لتبريد الغضب الشعبي، قبل أن تُطوى الملفات في أدراج النسيان. السؤال الصريح هنا: من يحكم تعز فعليًا؟ الأجهزة الأمنية أم شبكات الفوضى المسلحة؟
حين يُقتل صحفي في وضح النهار، وفي موقع شهد جريمة مشابهة، ثم تمر الأيام دون كشف الجناة، فإننا لا نتحدث عن تقصير عابر، بل عن انهيار كامل لمفهوم الأمن. بل إن استمرار هذا النمط يفتح بابًا أخطر: هل هناك قوى نافذة تمنع الوصول إلى القتلة؟ وهل أصبحت العدالة في تعز رهينة حسابات سياسية وأمنية معقدة؟
اسرة المجني عليه تدعو إلى وقفات احتجاجية، والصحفيون يُستنهضون للدفاع عن زميلهم، لكن الحقيقة الأعمق أن المجتمع كله بات مطالبًا بالدفاع عن حقه في الحياة قبل أي شيء آخر. لأن ما يحدث لا يستهدف الأفراد فقط، بل يستهدف فكرة الدولة نفسها.
تعز، التي قدمت نفسها يومًا كعاصمة للثورة والوعي، تُختطف اليوم من داخلها. تُختطف من ضعف قيادتها، ومن تواطؤ صمتها، ومن فشل أجهزتها الأمنية في أداء أبسط واجباتها: حماية الناس.
إن لم تُكشف هذه الجريمة، وتُعلن أسماؤها، ويُقدَّم مرتكبوها للعدالة بشكل واضح وصريح، فإن الرسالة ستكون أخطر من الجريمة نفسها:
أن القتل في تعز اصبح مباح… وأن القاتل يمكن أن يظل بلا اسم، وبلا عقاب.
وهنا، لا يعود السؤال: من قتل عبد الصمد القاضي؟
بل: من يقتل تعز كل يوم… ومن يحمي القتلة؟