عودة الحرب ام مشروع قرار مجلس الأمن لفتح المضيق والمسار الميداني في الخليج العربي
يواجه الخليج العربي اليوم لحظة شديدة الحساسية، حيث تتقاطع ثلاثة مسارات متزامنة، المسار الدبلوماسي داخل مجلس الأمن، والمسار العسكري البحري في مضيق هرمز، والمسار الاستراتيجي المرتبط بإعادة رسم خرائط الطاقة الإقليمية والدولية، وهو ما يجعل مشروع قرار مقدم الى جلسة مجلس الأمن اليوم الثلاثاء 5 مايو 2026م أكثر أهمية من جلسة السابع من أبريل الماضية التي تعطل فيها القرار الذي قدمته مملكة البحرين بالفيتو الصيني الروسي، لكنها لا تزال بعيدة عن حسم كامل للأزمة.
مشروع القرار المطروح اليوم لا يتعلق فقط بإعادة فتح مضيق هرمز، بل يعكس صراعًا أوسع حول طبيعة النظام الأمني البحري في الخليج العربي، ومن يمتلك حق فرض قواعد الملاحة فيه، وهل سيكون القرار مجرد إدانة سياسية لتعطيل الملاحة، أم مقدمة قانونية لتحرك عسكري دولي أوسع.
المحاولة السابقة في السابع من أبريل تعثرت بسبب اعتراض كل من روسيا والصين على صياغات اعتبرتها الدولتان فضفاضة، ويمكن تفسيرها لاحقًا باعتبارها تفويضًا مفتوحًا باستخدام القوة العسكرية بقيادة الولايات المتحدة، وهو ما رفضته موسكو وبكين بصورة واضحة.
أما في جلسة اليوم، فتشير المؤشرات إلى أن واشنطن وحلفاءها الخليجيين والغربيين حاولوا تقديم صياغة أكثر مرونة، تركز على حرية الملاحة الدولية، وضمان تدفق الطاقة، وإدانة تعطيل التجارة العالمية، دون تضمين نصوص صريحة تسمح بعمل عسكري مباشر.
هنا يظهر الموقف الصيني باعتباره العامل الأكثر حساسية في جلسة اليوم.
الصين تستورد نسبة كبيرة من احتياجاتها النفطية من الخليج العربي، وأي إغلاق طويل المدى لمضيق هرمز سييهدد أمنها الطاقوي وسلاسلها الصناعية والامداد العالمي، لكنها في الوقت ذاته لا ترغب في خسارة علاقتها الاستراتيجية مع إيران، التي تمثل شريكًا مهمًا في مشروع مبادرة الحزام والطريق، ولهذا قد يكون خيار الامتناع عن التصويت أكثر ترجيحًا إذا جاءت الصياغة مخففة.
أما روسيا فتتعامل مع الأزمة من زاويتين متناقضتين، فمن جهة تستفيد ماليًا من ارتفاع أسعار النفط، ومن جهة أخرى لا تريد الظهور كطرف يعطل حركة أحد أهم شرايين الطاقة العالمية، ولذلك فإن موقفها سيظل مرتبطًا باللغة النهائية للقرار.
إذا احتوى النص على أي صياغة تفتح الباب لتدخل عسكري واسع، فإن احتمال الفيتو الروسي أو الصيني يبقى قائمًا، أما إذا اقتصر القرار على الإدانة السياسية والمطالبة بإعادة فتح المضيق، فإن فرص تمريره تصبح أعلى مقارنة بمحاولة أبريل، لكن دون ضمان كامل.
غير أن تمرير القرار لا يعني نهاية الأزمة، لأن مركز التوتر الحقيقي انتقل من أروقة مجلس الأمن الدولي إلى المياه الإقليمية في الخليج العربي.
السيناريو الأقرب خلال المرحلة المقبلة هو ما يمكن وصفه بسياسة "الضغط البحري منخفض الحدة"، حيث قد تلجأ إيران إلى تكتيكات أقل من مستوى الحرب الشاملة، لكنها كافية لإرباك الأسواق العالمية، عبر تهديد ناقلات محددة، أو هجمات بالطائرات المسيّرة، أو تشويش أنظمة الملاحة، أو عمليات بحرية محدودة ترفع تكاليف التأمين والشحن.
هذا النموذج ليس جديدًا، فقد ظهر بوضوح خلال هجمات عام 2019 على منشآت بقيق، وكذلك حوادث استهداف الناقلات قرب خليج عمان، حين ارتفعت أسعار النفط عالميًا رغم عدم حدوث إغلاق شامل للممرات البحرية.
المعضلة الأكبر بالنسبة لدول الخليج العربي أن بدائل التصدير الحالية ليست كافية إذا توسعت الأزمة.
المملكة العربية السعودية تمتلك خط أنابيب شرق–غرب الممتد إلى ينبع على البحر الأحمر، بينما تمتلك الإمارات العربية المتحدة خط حبشان–الفجيرة، لكن أي توسع لتهديدات الحوثيين في باب المندب والبحر الأحمر قد يقلل من فعالية هذه البدائل.
وهنا تبرز الأهمية الجيوسياسية المتصاعدة لشرق اليمن، خصوصًا حضرموت والمهرة، باعتبارهما أحد أهم المسارات المستقبلية المحتملة لمد أنابيب النفط والغاز الخليجي نحو بحر العرب، بما يخلق منفذًا استراتيجيًا بعيدًا عن اختناقات مضيق هرمز وباب المندب معًا، وهي فكرة تتكرر في النقاشات الاستراتيجية الخليجية منذ عقود، لكنها تكتسب اليوم زخمًا أكبر مع تصاعد المخاطر البحرية مع الاستهداف الإيراني يوم امس الاثنين لميناء الفجيرة وناقلات النفط.
كما أن الهند والصين قد تتحركان عبر وساطات هادئة تقودها سلطنة عمان أو باكستان لمنع انزلاق المنطقة إلى مواجهة أوسع قد تضرب الاقتصاد العالمي بالكامل.
السؤال الحقيقي اليوم لم يعد فقط: هل يمر القرار في مجلس الأمن؟
السؤال الأهم هو: هل تستطيع القوى الكبرى منع تحول الخليج العربي إلى ساحة استنزاف بحري طويل ومفتوح؟
حتى لو نجح القرار الأممي، فإن مستقبل الأزمة سيُحسم في البحر، عبر ميزان الردع، وقدرة القوى الإقليمية والدولية على منع الانزلاق من الضغط البحري المحدود إلى مواجهة عسكرية أوسع.