مسارات مفروشة بالورود وأخرى مفخخة: "الفيفا" يواصل تكريس الصنمية بأساطير مصنوعة
- أحمد غيلان
- منذ ساعة
في عالم المال والأعمال الذي يتدثر بعباءة الرياضة، لم يعد المستطيل الأخضر مكاناً تشتعل فيه الندية الخالصة، بل تحول إلى مسرح مُهندس بعناية لخدمة الشركات الكبرى وصناع القرار في الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا).
وقراءة المسارات التي حددها توزيع المنتخبات يؤكد أن بطولة كأس العالم في نسختها الحالية لعام 2026، وبنظامها الجديد القائم على مشاركة ثمانية وأربعين منتخباً وتأهيل أفضل الثوالث، ليست خطوة لعولمة اللعبة كما يُشاع، بل هي شبكة أمان زجاجية صُممت خصيصاً لحماية "الأساطير المصنوعة" والمنتخبات المهيمنة من أي مفاجآت قد تبدد هذه الأساطير ومن خلفها مليارات الدولارات.
وقد لاحظ المتابعون كيف تم توزيع الفرق على المجموعات بشكل يضمن تأهل الأساطير المصنوعة.
لكن الأخطر من ذلك هندسة مسارات هذه الأساطير في مرحلة ما بعد المجموعات ويمكن إلقاء الضوء على هذه الهندسة فيما يأتي:
أولاً: هندسة "أحزمة الأمان" في الأدوار الإقصائية
تعتمد استراتيجية الفيفا في هذه النسخة على خلق ما يمكن تسميته بـ "المناطق العازلة" في دور الـ 32 ودور الـ 16.
بدلاً من النظام القديم الذي كان يرمي بالقوى العظمى في مواجهات كسر عظم مبكرة، سارت القرعة الموجهة والتقسيم الجغرافي واللوجستي الذكي في خطوط متوازية ومحمية تضمن عدم اصطدام عمالقة الفيفا ببعضهم، وتوجيههم لمواجهة منتخبات أقل تصنيفاً أو أصحاب المركز الثالث المتأهلين بصعوبة، ليكونوا بمثابة "قربان كروي" يضمن تمديد عمر "الأسطورة" داخل البطولة.
ويمكننا قراءة هذه الفرضية بوضوح عبر تتبع المسارات المرسومة لستة من أكبر الأساطير الكروية المصنوعة في العالم:
الأرجنتين (حامي الأسطورة المونديالية):
كمتصدر لمجموعته في المسار الجغرافي الجنوبي والأوسط، وُجّه حامل اللقب لمواجهة أحد أفضل الثوالث في دور الـ 32.
هذا التصميم يحمي الأرجنتين تماماً من الصدام بعمالقة أوروبا أو البرازيل في مراحل مبكرة، مما يضمن تدفق الجماهير اللاتينية واستمرار القصة التسويقية لليونيل ميسي لأطول فترة ممكنة، محاطاً بمسار ممهد.
فرنسا (عملاق أوروبا المدعوم إعلامياً):
تم تركيز مسار فرنسا في مدن الساحل الشرقي لضمان عوائد جماهيرية خيالية وتوقيت بث مثالي للقارة العجوز.
في دور الـ 32، وُجهت فرنسا لمواجهة وصيف مجموعة متوسطة التصنيف، مباعدةً بين "الديوك" ونجومهم التجاريين وبين القوى العظمى الأخرى، لضمان وصولهم كأطراف ثابتة في ربع ونصف النهائي.
البرازيل (الرقم التسويقي الصعب):
تمت جدولة مباريات البرازيل الإقصائية الأولى في مدن الساحل الغربي لضمان عوائد مالية ضخمة من مبيعات التذاكر.
وفي دور الـ 32، يلعب السامبا ضد ثالث إحدى المجموعات الضعيفة، ثم يواجه في دور الـ 16 الفائز من مواجهة تجمع وصيفين لمجموعات عادية، مما يعزل البرازيل تسويقياً ويحميها من الخروج قبل ربع النهائي.
إنجلترا (إمبراطورية الإعلام الرياضي):
هندس الفيفا مسار الإنجليز ليتنقل بين ملاعب كندا وشمال الولايات المتحدة.
وكمتصدرة لمجموعتها، تلتقي في دور الـ 32 مع ثالث إحدى المجموعات المستفيدة من التوسعة الجديدة، وهي منتخبات تفتقر للخبرة المونديالية العميقة، مما يسهل استمرار البروباغندا الإعلامية البريطانية داخل البطولة دون تهديد حقيقي.
إسبانيا (أوركسترا الاستحواذ والتسويق الحديث):
وُجّه مسار إسبانيا ليتمركز في حوض الملاعب ذات الكثافة التسويقية العالية، لتقابل في دور الـ 32 أحد أفضل الثوالث، وتتجنب تماماً قوى أمريكا الجنوبية.
وفي دور الـ 16، تلاقى وصيف مجموعة متوسطة، مما يمنح المدرسة الأوروبية فرصة كاملة لتثبيت أقدامها وتفادي المفاجآت، وضمان بقاء المنتج جاذباً للمعلنين.
ألمانيا (الماكينات ذات الثقل التاريخي والاقتصادي):
بعد خروجها الصادم والمبكر في النسخ السابقة، والذي مثّل ضربة مالية موجعة للفيفا والرعاة الألمان، عمل نظام الـ 48 كـ "شبكة أمان مزدوجة" للماكينات.
وُضعت ألمانيا في مسار جغرافي مستقر لتقابل في دور الـ 32 وصيف مجموعة عادية، مما يتيح لها استعادة التوازن والدخول في أجواء البطولة دون اصطدام مباشر بالقوى الكبرى قبل أدوار الحسم المتقدمة.
ثانياً: في المقابل.. "طريق الآلام" المرسوم للمنتخب المغربي
على النقيض تماماً من خطوط السير المخملية الممنوحة للأقطاب الستة، يكفي أن نتأمل المسار الانتحاري والشاق الذي فرضه الاتحاد الدولي على المنتخب المغربي، وهو الذي يتصدر طليعة المنتخبات الطامحة والمؤهلة لاقتحام حصون المجموعة المغلقة وقهر احتكار القارتين، لندرك حجم الفجوة العميقة في التعامل:
المجموعة الحديدية:
منذ البداية، رُمي بـ "أسود الأطلس" في مرحلة مجموعات طاحنة وصفت بالحديدية، حيث اصطدم بـ البرازيل بإرثها الثقيل، واسكتلندا باندفاعها البدني الأوروبي الشرس، بالإضافة إلى منتخب هايتي الذي واجه المغرب في مباراة استثنائية انتحارية ومستبسلة وكأنها معركته الأخيرة، مما تطلب استنزافاً بدنياً وذهنياً هائلاً من اللاعبين المغاربة لانتزاع العبور.
فخ دور الـ 32:
في الوقت الذي نجد فيه من يعتبرهم الفيفا كبار اللعبة يواجهون أصحاب المركز الثالث في المجموعات، وُضع منتخب المغرب فور تأهله في مواجهة حارقة ومباشرة أمام المدرسة الأوروبية العريقة هولندا؛ في اختبار مبكر لكسر العظم لا يتناسب منطقياً مع أدوار الـ 32 الأولى.
مقصلة دور الـ 16:
في حال تجاوز العقبة الهولندية - وسيتجاوزها ان شاء الله - يجد المغرب نفسه تلقائياً أمام مسار مفخخ قد يضعه في مواجهة محتملة وصادمة ضد حامل لقب 2018 ووصيف 2022 فرنسا؛ مما يعني أن المغرب كُتب عليه أن يخوض نهائيات كؤوس عالم مبكرة ومتتالية ليعبر دوراً تلو الآخر، بينما يتنزه الآخرون أمام منتخبات بلا تاريخ.
ثالثاً: حقول الألغام وتوليد طاقة التحدي الأخلاقية
إن هذا الوضع الصادم يضع المتابع المنصف أمام "حقول الألغام" التنظيمية التي يزرعها اتحاد الفيفا؛ وبالتالي، فإن العقل والمنطق والعدالة، وكل القيم الإنسانية والرياضية النبيلة، باتت تدفع اليوم باتجاه تعاطف وجداني وجماهيري جارف مع منتخب المغرب من مختلف أنحاء العالم.
ونعم: هذا الظلم المستتر لم يعد يكسر العزيمة المغربية، بل يتحول إلى وقود نفسي وطاقة تحدٍ استثنائية تدفع بأسود الأطلس لمواجهة هذه التحديات المفروضة بكل ما أوتوا من قوة وبسالة.
ومن هذا المنطلق، فإن المنظومة الساعية لإعاقتهم قد منحتهم - دون أن تدري - مجداً إضافياً؛ فأصبح كل دور يتجاوزه منتخب المغرب في هذا المونديال بمثابة بطولة قائمة بذاتها وشامخة برأسها، شاء اتحاد الفيفا أم أبى.
رابعاً: عقلية الاحتكار والمحاكمة الإعلامية المستمرة
إن هذا التباين الصارخ يبرهن على أن كرة القدم في عهد الفيفا الحديث قد تحولت من رياضة شعبية قائمة على المفاجأة والندية، إلى "صناعة ترفيهية موجهة"؛ حيث لا يُحدد البطل بكفاءته المطلقة داخل الملعب فقط، بل بقدر ما يخدم هذا البطل شاشات العرض وحسابات البنوك لصناع القرار.
إنها "الصنمية الرياضية" في أسوأ تجلياتها؛ حيث تصنع المنظومة أساطير تجارية وتضخم هالتهم الإعلامية لتسويقهم كعلامات غير قابلة للهزيمة، وتفرش لهم الطرق بالورود ليتسلقوا فوق أكتاف المنتخبات الطامحة وقليلة الخبرة.
أما التفاصيل الكبرى لهذه النسخة فما زالت معطياتها كثيرة ومتشعبة؛ من فروق مواعيد الراحة، وظروف السفر الجغرافي المرهق، وصولاً إلى كواليس الاختيارات اللوجستية والتحكيمية..
وهي معطيات لا بد من مواصلة رصدها وتوثيقها بدقة، لمحاكمة اتحاد الفيفا بها إعلامياً وبكل الوسائل المتاحة، دفاعاً عن النقاء الأول للعبة، وإعلاءً لصوت الشعوب الحية التي تؤمن بأن كرة القدم تُنتزع جدارتها فوق العشب، لا داخل المكاتب المغلقة.