"أنا خصمك يوم القيامة".. شهادة صوتية توثق الساعات الأخيرة للشيخ صالح حنتوس

  • عادل عبدالماجد، الساحل الغربي:
  • منذ ساعة

بعد عام كامل على استشهاد الشيخ صالح حنتوس، جاء التسجيل الصوتي المتداول ليس فقط ليستعيد اللحظات الأخيرة له، ولكن ليعيد فتح محاكمة مؤجلة في ذاكرة اليمنيين.. فالمكالمة التي سبقت اقتحام منزله لا تضيف تفاصيل جديدة إلى الجريمة بقدر ما تمنحها بعداً أكثر عمقاً؛ إذ تنقل المواجهة من روايات متضاربة إلى صوتين متقابلين (أحدهما يطالب بالقانون، والآخر يتمسك بمنطق القوة).

في التسجيل، لا يظهر الشيخ حنتوس مقاتلاً يخوض معركة، ولا قائداً يحشد أنصاراً، لكنه رجلٌ محاصرٌ داخل منزله، يكرر مفردات تكاد تكون عنواناً للقضية كلها (أنا مظلوم)... (أنا محاصر داخل بيتي)... (حولوا قضيتي إلى النيابة)... (أنا خصمك يوم القيامة).

في المقابل، لا يبدو الخطاب الآخر منشغلاً بإثبات تهمة أو تقديم مسوغ قانوني، بقدر ما يختزل الأزمة كلها في عبارة واحدة تتكرر بإصرار (سلم نفسك)؛ وبين هذين الخطابين تتجسد الفجوة بين منطق الاحتكام إلى المؤسسات ومنطق فرض الإرادة بالقوة.

وهنا تتجاوز القضية شخص الشيخ صالح حنتوس نفسه، لتتحول إلى صورة مكثفة لطبيعة العلاقة التي أرستها المليشيا مع خصومها خلال سنوات الحرب؛ علاقة لا تبدأ بالقانون ولا تنتهي عنده، وإنما تُدار بمنطق الغلبة وقانون الغاب، حيث يصبح القرار القمعي بديلاً عن القضاء، والحصار بديلاً عن الاستدعاء، واقتحام المنازل بديلاً عن الإجراءات الرسمية.

اللافت في المكالمة أن الشيخ لم يحتج بلغة سياسية أو قبلية، حيث لجأ إلى ثلاث مرجعيات طالما شكلت أساساً لتنظيم المجتمع اليمني (حرمة المنزل، وحرمة الأشهر الحرم، وحق التقاضي أمام القضاء).. وكأن الرجل كان يحاول استدعاء آخر ما تبقى من القيم القادرة على منع إراقة الدم.

غير أن التسجيل يوحي بأن هذه المرجعيات فقدت وزنها أمام سلطة السلاح، فلم تعد حرمة الشهر الحرام، ولا مكانة الشيخ الاجتماعية، ولا المطالبة بالمحاكمة، عوامل كافية لوقف ما كان قد تقرر سلفاً.

وتكمن القوة الحقيقية والثقل المعنوي لهذا التسجيل في أن عباراته لم تُصغ قبل أو بعد وقوع الجريمة لتبريرها أو تفسيرها أو بناء رواية، حيث خرجت في لحظتها تحت ضغط الحصار والتهديد والترقب، لتبدو شهادة حية على آلة القتل الحوثية، إذ يسجل بالصوت تفاصيل الساعات الأخيرة قبل الاقتحام، ليغدو وثيقة زمنية تعكس طبيعة تلك الجريمة كما جرت، لا كما رُويت لاحقاً.

لم يكن التسجيل مادة إعلامية متداولة في ذكرى سنوية، بقدر ما هو وثيقة تعيد صياغة المشهد كله من زاوية مختلفة؛ فبدلاً من التركيز على لحظة القتل، يعيد الانتباه إلى ما سبقها (الحوار الذي فشل، وطلب الاحتكام إلى القضاء الذي رُفض، والاستغاثة التي لم تجد استجابة).

لا تقتصر هذه المكالمة على إحياء ذكرى الشيخ حنتوس، لكنها تعيد طرح سؤال أكبر يتعلق بمفهوم المنظومة نفسها (ماذا يبقى من الدولة عندما يحل السلاح محل القضاء)؟ (وماذا يبقى من القانون عندما تصبح المناشدات الأخيرة لرجل محاصر مجرد صدى يضيع بين أوامر الاقتحام)؟.

ربما انتهت حياة الشيخ صالح حنتوس في ذلك اليوم، لكن عبارته الأخيرة (أنا خصمك يوم القيامة) تجاوزت حدود المكالمة لتغدو عنواناً أخلاقياً وسياسياً لقضية ما زالت، بعد عام كامل، تبحث عن العدالة قبل أن يطويها النسيان.

ذات صلة