الحرب في "محرقة المعنويات"!
[جنايات الصراع وحروب المنصات وديكتاتورية الرأي العام]
▫️دارت محرقة المعنويات على الجميع، في جولات متتالية وعبر سنوات ليست بالقليلة وعلى مختلف الجهات والجبهات.
ولم تكن الانتكاسات الميدانية المريرة هي السبب المباشر والفاعل الأول في جميع الأوقات، بل ربما كانت هذه هي نتيجة لها من جملة عوامل وأسباب ومقدمات أخرى صنعت الفارق ضد أهداف النصر والانجاز والاستعادة والتقدم لحساب المعركة الأم والكبرى.
بقيت الصراعات الجانبية والمشاحنات والاصطفافات والحملات المتبادلة، سياسيا وإعلاميا، فاعلة في التأثير السلبي على المجريات، ولم تنضبط أبدا بموازاة تطورات بدت إيجابية نحو توحيد الجهود ولململة الصفوف والجبهات وتوحيد القيادة والقرار وبلورة صيغة جديدة للشراكة الوطنية سياسيا وعسكريا.
رغم كل شيء كان الرأي العام في جزء منه يصاغ ويصنع بعيدا عن المركز وحتى عن المراكز الأصغر والتي تمثلها القوى والمكونات المنخرطة في إطار مركز جامع تمثله صيغة الحكم والسلطة الجديدة في مجلس القيادة وآلياته التنفيذية.
مظاهر الصراع العقيم والسجالات الاستنزافية للمعنويات وللتعافي لم تتوقف قط عن الإضرار بالمعنويات وتبديد الفرص وإضاعة المجهودات أو الحد من فاعليتها.
اتساع وتنوع وتوافر منصات النشر والتواصل وسهولة الوصول إليها واستخدامها من قبل الجميع كان حاسما في أن يتحول الرأي العام من متلق إلى منتج ومشارك يومي وآني في صناعة نفسه بل وصناعة السياسات ومواقف الأطراف تبعا لمعطيات ومؤشرات قادمة من المنصات.
كل هذا انعكس سلبا وبالضرورة على المستويات السياسية والعسكرية. ولم تعد الحرب من تصنع نتائجها بالضرورة، أو من تضبط إيقاع المعنويات وزخم التفاعل وتحشد معها ولصالحها الرأي العام والمزاج الشعبي. لقد صارت الحرب ومعنوياتها وحتى نتائجها أو جزء مهما منها تصنع مسبقا خارج الميدان والجبهة على الأرض. وتحولت المنصات وفوضى النشر والرأي إلى جبهة متقدمة تقود المعنويات وتشحنها سلبا أو إيجابا. وفي حالتنا اليمنية فإن السلبيات شحنت وحشدت المعنويات ضدا من الهدف والغاية.
كل ما سيحدث تاليا على الانتكاسات والهزائم والخسائر المريرة، على مستوى الإعلام والنشر الاجتماعي والمنصات في هيئة محرقة معنويات حقيقية، ليس نتيجة للواقع أو للوقائع المستجدة والخسارات المريرة، ولكنه والوقائع صدى لأسباب وعوامل كثيرة في مقدمتها هذه المحرقة نفسها التي عبأت بشكل مسبق وبصورة حثيثة الصراع والاتهامات واحتمالات الخذلان والخسائر، ودفعت بها كجزء من وقود ومعنويات معركة وحرب.
الجنود وحدهم هم ضحية الجميع وحطب الصراع والحرب. ومهما بلغت التضحيات والبطولات وبلغ الصدق والصمود والاستبسال والبذل، سيتم تجاهل كل هذا ويشتغل الرأي العام، المنشغل سلفا بإشعال الحرائق والهزائم وضرب المعنويات، بجلد المقاتلين ونصب المحاكم والمشانق لهم وحتى للشهداء وللجرحى.
يجب استعادة الحرب والمعنويات من فوضى المنصات والإعلام وتخليصها من محرقة الصراع العبثي المؤثر في الحرب وفي المعنويات وفي المعركة الكبرى.
ومثلما أنه يجب بحث وفحص ودراسة وتحليل اسباب ومقدمات وعوامل التأثير في مجريات ونتائج كل حرب وكل معركة وكل جبهة، بموضوعية ومهنية وبصرامة ومسؤولية وجدية، بعيدا عن المنصات وعبث وفلتان ومحرقة الرأي العام؛ يجب أيضا البحث بجدية وبمسؤولية في آليات وبرامج حمائية للجند وللمعركة وللحرب وللشرعية نفسها، من فوضى وطغيان وديكتاتورية المنصات والإعلام والرأي العام.