من هرمز إلى باب المندب: F-35 في مواجهة الخنق المزدوج للسعودية

  • أ.د. عبدالوهاب العوج
  • منذ ساعة

الموافقة الأمريكية على صفقة محتملة لبيع السعودية 48 مقاتلة من طراز F-35 تأتي في لحظة تتعرض فيها المملكة لضغوط أمنية واستراتيجية متزامنة، تمس أمنها الداخلي ومنظومة تصدير طاقتها، وتفتح الباب أمام قراءة الصفقة باعتبارها جزءاً من استجابة أوسع لمعضلة أمنية تتشكل على جبهتين: هرمز شرقاً وباب المندب غرباً.

كيف تشكّل "الخنق المزدوج"؟

خلال الأسبوعين الأولين من أيلول/سبتمبر 2026، وفي ظل استمرار التداعيات الأمنية للحرب الإيرانية-الأمريكية/الإسرائيلية التي اندلعت منذ شباط/فبراير الماضي، تدهور الوضع الأمني في السعودية بصورة ملحوظة، وتعرضت منظومة تصدير الطاقة لديها لضغوط متزامنة من أخطر ما واجهته منذ سنوات.

على الجبهة الشرقية، لم يعد تهديد إيران لمضيق هرمز مجرد احتمال نظري. ومع اضطراب الملاحة عبر المضيق، برز خط أنابيب شرق-غرب باعتباره المسار الرئيس الذي يمكّن السعودية من نقل النفط من مناطق الإنتاج في شرق المملكة إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، بطاقة تصل إلى نحو 7 ملايين برميل يومياً، ويمثل هذا الخط شرياناً استراتيجياً يسمح للرياض بتجاوز الاعتماد الكامل على مضيق هرمز. لكن هذا المخرج تعرض بدوره لضربة خطيرة. ففي 10 و11 أيلول/سبتمبر، تعرض خط الأنابيب لهجمات بطائرات مسيرة في مناطق من الرياض والمدينة المنورة، ما دفع السلطات السعودية إلى إغلاقه مؤقتاً كإجراء احترازي، مع وقوع إصابات وأضرار. وأشارت التقارير إلى أن الهجمات انطلقت من الأراضي العراقية، وتحديداً من محافظة ميسان، وأصابت ما بين محطتي ضخ إلى ثلاث محطات، وتتراوح التقديرات الأولية لإعادة التشغيل بين أسابيع قليلة و5 إلى 6 أسابيع حسب مصادر صناعية.

وهكذا بدأت تتشكل معادلة ضغط مزدوجة: إيران تضغط على الممر الشرقي عبر هرمز، بينما تتعرض طرق ومنافذ التصدير البديلة للضغط من الشمال والجنوب، عبر العراق والبحر الأحمر واليمن.

وفي الوقت نفسه، شهد الساحل الغربي اليمني تطوراً ميدانياً بالغ الأهمية، مع تقدم الحوثيين وسيطرتهم على المخا ومناطق محيطة بها، وتعزيز نفوذهم في جزيرة ميون (بريم) وجزر حنيش، بما يمنحهم قدرة أكبر على التأثير في البيئة الأمنية المحيطة بمضيق باب المندب.

ولا تكمن أهمية هذه التطورات في السيطرة على أراضٍ يمنية فحسب، وإنما في موقعها الجغرافي؛ فباب المندب يمثل إحدى أهم حلقات الملاحة بين البحر الأحمر وخليج عدن والمحيط الهندي، وأي تهديد مستمر للملاحة فيه يمكن أن يفرض تكاليف اقتصادية وأمنية كبيرة على حركة التجارة والطاقة، وهو ما انعكس فعلاً في ارتفاع أسعار النفط فوق مستوى 100 دولار للبرميل وزيادة تكاليف التأمين والشحن.

وبذلك تواجه السعودية معضلة استراتيجية مركبة: مخرجها الشرقي معرض للضغط بسبب هرمز، بينما يتعرض مخرجها الغربي وممراتها البديلة لضغوط متزايدة في البحر الأحمر وباب المندب. وهنا تظهر أهمية خط شرق-غرب: فهو لا يلغي الجغرافيا، وإنما يمنح السعودية قدرة على تجاوز هرمز، لكن فعاليته الاستراتيجية تتراجع إذا أصبحت بنيته التحتية نفسها عرضة للهجمات.

الضربات العميقة للحوثيين: من استنزاف الحدود إلى الضغط الاستراتيجي

ما يزيد تعقيد الموقف السعودي أن القدرات الصاروخية والطائرات المسيّرة الحوثية تجاوزت نطاق الاشتباك الحدودي التقليدي.

ففي 7 و8 أيلول/سبتمبر، أعلن الحوثيون تنفيذ هجمات واسعة باستخدام عشرات الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة باتجاه أبها وخميس مشيط وجازان ونجران وغيرها، واستهداف منشآت تابعة لأرامكو وقاعدة الملك خالد الجوية. وأكدت السعودية إصابة 73 شخصاً، إضافة إلى أضرار وحرائق طالت منشآت نفطية وخدمية، وتعطل بعض العمليات بصورة مؤقتة، بينما ادعى الحوثيون نتائج أكبر على الأرض. وبعد ذلك، أعلن الحوثيون عن هجمات أخرى استهدفت منشآت مرتبطة بالطاقة في ينبع وقواعد عسكرية في جنوب المملكة.

وتكشف هذه التطورات عن انتقال التهديد من مجرد استنزاف المناطق الحدودية إلى محاولة الضغط على العمق الاقتصادي والأمني السعودي، خصوصاً المنشآت النفطية والمطارات والقواعد العسكرية.

أما دوي صفارات الإنذار في مكة المكرمة، فيكتسب أهمية أمنية وسياسية خاصة، حتى مع عدم ثبوت أن مكة كانت الهدف المباشر للهجوم أو أن الحرم المكي تعرض للاستهداف، فمجرد دخول المدن ذات الرمزية الدينية والسياسية الكبرى في نطاق حالة الإنذار يعكس اتساع البيئة الجغرافية للتهديد.

ويؤكد الحوثيون أن هجماتهم تأتي في إطار ما يسمونه "الرد بالمثل" على العمليات العسكرية ضدهم، ويهددون باستمرار الهجمات في العمق السعودي ما لم تتوقف العمليات العسكرية وترفع القيود المفروضة على اليمن، وبغض النظر عن التوصيف السياسي الذي يقدمه كل طرف، فإن النتيجة الاستراتيجية واحدة: السعودية أصبحت تواجه خصماً يمتلك قدرة متزايدة على استخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة لضرب أهداف بعيدة عن خطوط التماس التقليدية.

هل ستكون طائرات F5 هي الردع البديل؟

ففي هذا السياق، تكتسب الموافقة الأمريكية على صفقة F-35 دلالة استراتيجية تتجاوز كونها صفقة تسليح تقليدية، فالولايات المتحدة، وفق التقارير المتعلقة بالأزمة الأخيرة، لم تبد استعداداً واسعاً للانخراط المباشر في ضرب الحوثيين نيابة عن السعودية، واكتفت بمستويات من الدعم الاستخباراتي والمساعدة في تحديد الأهداف. ويعكس هذا الموقف حدود الرغبة الأمريكية في العودة إلى مواجهة عسكرية مباشرة ومفتوحة في اليمن، بعد سنوات من الحرب والتصعيد في المنطقة.

ومن هنا يمكن قراءة صفقة F-35 باعتبارها أحد أشكال "الردع البديل": فإذا كانت واشنطن لا تريد خوض الحرب مباشرة، فإن تعزيز القدرات العسكرية السعودية يتيح للرياض قدراً أكبر من القدرة على حماية مجالها الجوي ومنشآتها الحيوية والرد على مصادر التهديد بنفسها.

وقد أكدت وزارة الخارجية الأمريكية أن الصفقة المقترحة تهدف إلى تعزيز أمن السعودية، باعتبارها حليفاً رئيسياً للولايات المتحدة من خارج حلف الناتو، وأنها تخدم المصالح الأمنية والاقتصادية الأمريكية في منطقة الخليج، مشددة في الوقت ذاته على أن الصفقة "لن تغير التوازن العسكري في المنطقة"، في إشارة واضحة إلى مراعاة التفوق النوعي الإسرائيلي.

وفي حال اكتمال الصفقة ودخول الطائرات الخدمة، ستكون السعودية أول دولة عربية تشغّل مقاتلات F-35 وثاني دولة في الشرق الأوسط بعد إسرائيل، وهو تطور يحمل دلالة استراتيجية مهمة في ميزان القوة الجوية الإقليمي، غير أن الحصول على F-35 عملية تمتد لسنوات، ولا تمثل استجابة فورية للتهديدات التي تواجهها السعودية في أيلول/سبتمبر 2026.

وتجدر الإشارة إلى أن السعودية تمتلك بالفعل منظومات دفاع جوي متقدمة مثل باتريوت وثاد، وأن طائرات F-35 تضيف أساساً قدرات هجومية واستطلاعية وقدرات حرب إلكترونية متقدمة، أكثر مما تضيف طبقة دفاع جوي مباشرة ضد المسيرات منخفضة الارتفاع.

صفقة F-35 وحزمة الـ142 مليار دولار

لا ينبغي النظر إلى صفقة F-35 بمعزل عن مسار التقارب الدفاعي الأمريكي-السعودي الذي شهد تطوراً كبيراً منذ زيارة الرئيس دونالد ترامب إلى الخليج في أيار/مايو 2025.

فقد أعلنت واشنطن والرياض آنذاك عن اتفاقات دفاعية واستثمارية واسعة، بلغت قيمة الحزمة الدفاعية المعلنة نحو 142 مليار دولار، فيما كانت مسألة حصول السعودية على F-35 مطروحة ضمن المباحثات الأمريكية-السعودية. وبالتالي فإن صفقة F-35 الحالية يمكن النظر إليها باعتبارها امتداداً لمسار استراتيجي بدأ قبل أزمة أيلول/سبتمبر 2026، وليس صفقة نشأت من الأزمة وحدها، غير أن توقيت الموافقة عليها، في ظل تعرض السعودية لضغوط متزامنة في الجنوب والبحر الأحمر ومنشآت الطاقة، يمنحها دلالة سياسية وعسكرية إضافية.

هل تستطيع F-35 حل المعضلة الأمنية السعودية؟

من الناحية التقنية، تمنح F-35 السعودية، في حال إتمام الصفقة ودخول الطائرات الخدمة، قدرات متقدمة في التخفي والحرب الإلكترونية والاستطلاع والضربات الدقيقة، ويمكن لهذه القدرات أن تعزز قدرة المملكة على التعامل مع منصات إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة والدفاعات الجوية المعادية. لكن من الناحية الاستراتيجية، لا تستطيع الطائرة وحدها حل المعضلة البنيوية التي تواجه السعودية.

أولاً، هناك فجوة زمنية بين التهديد الحالي والقدرة المستقبلية. فحتى لو بدأت عملية التسليم في السنوات المقبلة، فإن بناء قوة تشغيلية متكاملة من F-35 يحتاج إلى تدريب وبنية تحتية وقطع غيار ومنظومات قيادة وسيطرة، ما يعني أن تأثير الصفقة في الأزمة الراهنة سيكون محدوداً، بينما سيكون تأثيرها الأكبر على ميزان الردع خلال السنوات التالية.

ثانياً، المشكلة السعودية ليست جوية فقط، وإنما جغرافية واقتصادية، فهرمز وباب المندب ممران بحريان استراتيجيان لا تستطيع المقاتلات وحدها إزالة المخاطر المرتبطة بهما. يمكن للطائرات المتقدمة ضرب منصات إطلاق الصواريخ أو استهداف بعض مصادر التهديد، لكنها لا تستطيع تغيير حقيقة اعتماد الاقتصاد العالمي على ممرات بحرية ضيقة وحساسة، بل إن امتلاك مليشيات مسلحة تابعة لإيران قدرة محدودة على تهديد السفن قد يكون كافياً لرفع تكاليف التأمين والشحن ودفع بعض شركات الملاحة إلى تغيير مساراتها، حتى من دون حدوث إغلاق كامل للمضيق كما هو الآن مع مليشيات الحوثي.

ثالثاً، هناك تناقض ظاهري في نموذج الالتزام الأمريكي: واشنطن مستعدة لتسليح السعودية وتعزيز قدراتها الدفاعية، لكنها ليست بالضرورة مستعدة لخوض الحرب نيابة عنها، وهذا يعني أن الرياض تحصل على أدوات أكثر تطوراً للدفاع عن نفسها، لكنها تتحمل في الوقت نفسه مسؤولية أكبر عن إدارة المخاطر العسكرية والسياسية الناتجة عن استخدامها.

الخنق الاستراتيجي لا يُفك بالطائرات وحدها

تكشف أزمة أيلول/سبتمبر 2026 عن تحول نوعي في طبيعة التحدي الذي تواجهه السعودية، فالمشكلة لم تعد مجرد هجمات حوثية على مناطق حدودية، أو تهديد إيراني منفصل لمضيق هرمز، وإنما أصبحت منظومة مترابطة من المخاطر تمتد من الخليج العربي إلى البحر الأحمر، ومن البنية التحتية النفطية إلى طرق الملاحة الدولية.

وهنا تكمن أهمية "الخنق الاستراتيجي المزدوج": إيران تستطيع الضغط على المسار الشرقي عبر هرمز، بينما يمكن للحوثيين وحلفائهم التأثير في البيئة الأمنية للمسار الغربي عبر البحر الأحمر وباب المندب، في حين أصبحت البنية التحتية البرية التي تربط بين شرق المملكة وغربها هدفاً محتملاً لهجمات بعيدة المدى، وفي مثل هذه البيئة، تصبح القوة الجوية المتقدمة عنصراً مهماً، لكنها ليست الحل الوحيد. فالردع يحتاج إلى منظومة متكاملة تشمل الدفاع الجوي والصاروخي، وحماية المنشآت الحيوية، وتأمين الممرات البحرية، وتنويع طرق تصدير الطاقة، وتعزيز الاستخبارات والمراقبة، إلى جانب المسار السياسي والدبلوماسي والتنسيق الإقليمي والدولي الأوسع.

إن صفقة F-35 تأتي في لحظة تواجه فيها السعودية واحدة من أكثر البيئات الأمنية تعقيداً منذ سنوات، حيث يتزامن الضغط على مضيق هرمز مع التهديدات القادمة من اليمن والبحر الأحمر، وتتعرض في الوقت نفسه البنية التحتية التي يفترض أن توفر بدائل استراتيجية لممرات الملاحة للخطر.

ومن هذه الزاوية، تمثل F-35 تعزيزاً مهماً لقدرة الردع الجوي السعودي على المدى الطويل، لكنها لا تمثل حلاً منفرداً للخنق الاستراتيجي الذي تواجهه المملكة، فالمقاتلة تستطيع تغيير جزء من معادلة القوة الجوية، لكنها لا تستطيع تغيير الجغرافيا، ولا تستطيع بمفردها تأمين مضيق هرمز أو باب المندب، ولا ضمان استمرار تدفق الطاقة والتجارة في بيئة إقليمية مضطربة.

ولهذا فإن المعركة الحقيقية بالنسبة للرياض ليست فقط في امتلاك أحدث الطائرات، وإنما في بناء منظومة أمن إقليمي قادرة على منع تحول الممرات البحرية ومنشآت الطاقة إلى أدوات ضغط جيوسياسي. وفي النهاية، قد تكون F-35 جزءاً من الإجابة العسكرية، لكن فك "الخنق الاستراتيجي" يتطلب مزيجاً أوسع من الردع العسكري، وأمن الطاقة، وحماية الممرات البحرية، وتنويع طرق التصدير، وإدارة الصراع الإقليمي عبر أدوات سياسية ودبلوماسية وتنسيق إقليمي ودولي لا تقل أهمية عن القوة الجوية.

• نقلاً عن صحيفة عربي21

المقالات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الصحيفة أو موقفها

ذات صلة