حينما بدأت معركة تحرير اليمن... تعالت أصوات النشاز!
من المفارقات المبكيات تعالت أصوات نشاز حينما بدأت معركة تحرير اليمن في محور تعز والساحل الغربي ضد مليشيات الحوثي الإرهابية المدعومة إيرانيًا، والتي تريد تجزئة معاركها في اليمن وتفريق خصومها، فهذا جنوبي، وهذا تعزي، وهذا إخواني، وهذا مؤتمري، وهذا مرتزق، وهذا عميل، وغيرها من التصنيفات التي مزقت اليمنيين ومكّنت الحوثيين من السيطرة على صنعاء.
والمفارقة في الأمر وجود أطراف أخرى ترفع شعار السلام والتعايش ووقف الحرب، دون العودة إلى شرح جذور هذه الحرب وأسبابها والمسبب لها، وكأن السلام يمكن أن يتحقق بمجرد إيقاف المعارك، دون معالجة الأسباب التي أنتجت الصراع وأبقت اليمن أسيرًا لدورات متكررة من العنف والانقسام.
هل مشروع ولاية الفقيه أذكى من الجميع حين يرفع ويطبق شعار «فرق تسد»؟ فمرة هذا مرتزق وعميل، ومرة هذا منافق، وذاك يهودي بزنار أو بدون زنار، كما يقول مهدي المشاط، في خطاب يقوم على تصنيف اليمنيين وتحويل خلافاتهم إلى أدوات للصراع السياسي.
ألم نكتفِ ونفهم أن المشروع الإمامي القائم على توظيف الانتماءات السلالية والسياسية وإعادة إنتاج فكرة الحق الحصري في الحكم، استطاع أن يتلون ويتبدل بألف وجه ووجه، وأن يخترق الجمهورية منذ المصالحة الوطنية في ستينات القرن الماضي، مستفيدًا من تناقضات المجتمع وخلافاته السياسية والاجتماعية؟
تجده ناشطًا مجتمعيًا يريد السلام ووقف الحرب، وهذا في ذاته مطلب نبيل، لكن المشكلة تبدأ حين يُطرح السلام دون معالجة جذر المشكلة اليمنية، وفي مقدمتها الادعاء بالحق الإلهي، والاستعلاء على الشعب اليمني، وفكرة أحقية سلالة بعينها في الحكم، وهي أفكار تتعارض مع مبدأ الجمهورية والمواطنة المتساوية.
ويا للمفارقة العجيبة، يستخدم هذا المشروع كل الشعارات، ومنها ما هو داخلي ومنها ما هو خارجي، ومنها ما يستند إلى ثارات وحروب وعداوات الماضي، ومن ذلك شمالي وجنوبي، مؤتمري وإصلاحي، قاعدة وداعش، تقدمي وقومي، حرب 94، ومقتل الحمدي، ومطلع ومنزل، لغلغي وبرغلي، شافعي وزيدي، هاشمي وقبيلي، وهلم جرا.
وللأسف هناك من يتلقى كل ذلك ويعيد إصداره بفهم أو بدون وعي، فتتحول الروايات المتداولة إلى حقائق، والخلافات السياسية إلى عداوات اجتماعية، والذاكرة التاريخية إلى وقود لمعركة جديدة، وكأننا لم نتعلم شيئًا من عقود طويلة من الصراع. وكما يقال: إن كنت لا تدري فتلك مصيبة، وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم.
ولذلك نجد هذه الأصوات النشاز، من مقولة «حجر وبقر» و«أنا أحبكم يا أصحاب تعز»، إلى كتابات بعض المثقفين والدكاترة الذين يقولون: «هذه ليست معركة الجنوبيين».
يا أخي، الكل مشارك في معارك الدفاع عن الجمهورية والوحدة والحرية ضد الإمامة والكهنوت، منذ ثورة 48 وحتى اليوم. وهذه ليست معركة منطقة ضد منطقة، ولا محافظة ضد محافظة، ولا حزب ضد حزب، وإنما هي معركة اليمنيين جميعًا من أجل الدولة والجمهورية والمواطنة المتساوية.
واليمنيون مختلطون شرقًا وغربًا وشمالًا وجنوبًا، فالدحباشي في إب قد يكون أصله حضرميًا، والعدني في عدن قد يكون أصله حجريًا، وهكذا هي قبائل اليمن ومجتمعاته؛ هاجرت واختلطت وتداخلت عبر قرون طويلة. فصاحب إب جاء من خولان أو برط، وصاحب صعدة قد تكون جذوره من تعز أو من الجزيرة العربية، واختلط الناس وتداخلت الأسر والقبائل والمناطق.
فدعوها فإنها منتنة.
كلنا أبناء هذه الأرض اليمنية العربية، وأصل العروبة ومنبعها، فلا تقسمونا ليسود الحوثي، ولا تجعلوا من خلافاتنا التاريخية والسياسية جسورًا يعبر عليها مشروع المليشيا إلى مستقبل اليمن.
لقد آن لنا أن نستفيد من تجارب الأمس واليوم الأليم، وأن ندرك أن تفكيك الصف الجمهوري ليس انتصارًا لأي طرف يمني، وإنما خدمة مباشرة لمشروع الحوثي.
معركة الوعي لا تقل أهمية عن معركة الميدان. الحوثي لا يقاتل بالسلاح وحده؛ هناك معركة موازية تُخاض على الشاشات والمنصات، هدفها صناعة اليأس، وتضخيم الخلافات، ونشر الأخبار غير الموثقة لإقناع الناس بأن المقاومة بلا جدوى، وأن الجيش منهار، والصف الجمهوري عاجز. وهذه أدوات الحرب النفسية التي يريدها الخصم.
والأخطر أن بعض الأصدقاء، من دون قصد، قد يرددون خطابًا يخدم الحوثي، بسبب الغضب أو الخصومة السياسية أو الاعتماد على مصادر غير موثوقة. النية الحسنة وحدها لا تكفي في زمن الحرب؛ فالمعلومة الخاطئة قد تؤدي وظيفة المعلومة المعادية.
المقاتلون في الخنادق لا يملكون ترف التنظير الذي نمارسه خلف الشاشات. هم الذين يسمعون المدافع، ويرون الموت، ويواجهونه دفاعًا عن الجمهورية وعن فكرة الدولة التي يؤمنون بها. ومن حقهم علينا أن نكون عونًا لهم، لا عبئًا، وألا نحمل معاول الهدم في الفضاء الإعلامي، وأن نرص الصفوف صفًا جمهوريًا واحدًا ضد مشروع الكهنوت الإمامي بثوب الجمهورية الجديد.
ليس المطلوب من الصحفي أو الناشط أو السياسي أو المثقف أن يتخلى عن رأيه أو نقده، وإنما المطلوب أن يعرف الفرق بين النقد السلبي والنقد الإيجابي الذي يجب أن يكون له مكانه وتوقيته. فالنقد حق، والمساءلة ضرورة، والإصلاح واجب، لكن توقيت النقد وطريقته ومصادر معلوماته ونتائجه كلها مسائل مهمة، خصوصًا عندما تكون البلاد في حالة حرب، أما تحويل كل قصور إلى مادة لتثبيط المقاتلين، وكل إشاعة إلى حقيقة، وكل خلاف سياسي إلى انقسام عسكري، فهذه ليست ممارسة سياسية بريئة حين تكون النتيجة النهائية إضعاف الجبهة في مواجهة الحوثي وكما يقال "الحرب عند المتفرج دلي".
المعركة ليست ملكًا لحزب، فمن أخطر و امبر الأخطاء أن نحاول اختزال الحرب في أسماء الأحزاب أو الأشخاص أو التشكيلات القتالية فذلك درع الوطن وهذا مقاومة وطنية وتلك عمالقة جنوبية والوية تهامية وغيرها. فالمعركة أكبر من ذلك بكثير، فالدولة المدنية ستكون مقابل المليشيات الارهابية، الجمهورية مقابل مشروع الإمامة، الجيش والمؤسسات الرسمية مقابل التشكيلات المسلحة الخارجة على الدولة منذ حروب صعدة وحتى اليوم، و دعم المقاتلين لا يعني منح صك براءة لأحد، ولا يعني إغلاق باب النقد والمساءلة، وإنما يعني وضع الأولويات في مكانها الصحيح، يمكننا أن نختلف بعد المعركة على تفاصيل كثيرة، ويمكننا أن نختلف اليوم أيضًا حول السياسات والأداء والقيادات، لكن لا يجوز أن يتحول اختلافنا إلى هدية مجانية للحوثي في قلب المعركة.
نعم، هناك أخطاء، وفساد وقصور، وملفات تحتاج إلى إصلاح ومحاسبة. لكن معالجتها يجب ألا تتحول إلى معركة جانبية تبتلع المعركة الأساسية، فالذين يقاتلون الحوثي اليوم ليسوا مسؤولين عن كل أخطاء السياسيين، وليس من العدل أن ندفعهم ثمن صراعات لا علاقة لهم بها، الجندي المقاتل الذي يقف في موقعه يحتاج إلى أن يعرف أن خلفه مجتمعًا يؤمن بأن تضحياته لن تذهب سدى وانه يروي ثرا الارض ليرى ما سقى بالدم غرسه.
فاليمن بحاجة إلى دولة، والدولة لا تُبنى بالشائعات، ولا تُستعاد بالتحريض، ولا تنتصر بتفكيك الصف الجمهوري.
إن معركتنا ليست مع منطقة أو محافظة أو حزب أو مذهب، وإنما مع مشروع سياسي ومسلح يريد إعادة اليمن إلى منطق السلالة والمليشيا واحتكار السلطة، قد نختلف في تفاصيل الدولة التي نريدها، وفي شكل الحكم والسياسات والقيادات، لكن يجب ألا نختلف على أصل الفكرة، فاليمن الجمهوري دولة لجميع أبنائه، والجمهورية ملك لكل اليمنيين، والسلطة حق للمواطنين لا امتيازًا لسلالة أو جماعة او منطقة او قبيلة.
فلنختلف، ولننتقد، ولنحاسب، ولنطالب بالإصلاح، لكن لنجعل خلافاتنا داخل الإطار الوطني، لا خنادق متقدمة في معركة خصمنا، فاليمن لا يحتاج اليوم إلى مزيد من الجدران بين أبنائه، بل إلى جسور تجمعهم، ولا يحتاج إلى استدعاء أحقاد الماضي، بل إلى صناعة مستقبل يتجاوزها.
قد يختلف اليمنيون في كثير من الأشياء، لكن عليهم أن يتفقوا على أن لا مستقبل لليمن واليمنيين مع المشروع الحوثي السلالي وولاية الفقيه.